الخطيب الشربيني

538

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 34 إلى 45 ] لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ( 37 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 40 ) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 41 ) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ( 43 ) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 ) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) . فَمَنْ أي : لا أحد أَظْلَمُ أي : منهم هكذا كان الأصل ، ولكن قال تعالى : مِمَّنْ كَذَبَ تعميما عَلَى اللَّهِ أي : الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره بنسبة الولد والشريك إليه وَكَذَّبَ أي : أوقع التكذيب لكل من أخبره بِالصِّدْقِ أي : بالأمر الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم إِذْ جاءَهُ أي : فاجأه بالتكذيب لما سمع من غير وقفة ولا إعمال روية بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يستمعون ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم والباقون بالإدغام ، ثم أردف ذلك بالوعيد فقال : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ أي : النار التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله مَثْوىً أي : مأوى لِلْكافِرِينَ أي : لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق ، واللام في للكافرين إشارة إليهم والاستفهام بمعنى التقرير . ولما ذكر من افترى وكذب ذكر مقابله وهو الذي جاء بالصدق وصدق به بقوله تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ قال قتادة ومقاتل : هو النبي صلّى اللّه عليه وسلم وَصَدَّقَ بِهِ هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين ولذلك روعي معنى من في قوله تعالى : أُولئِكَ أي : العالو الرتبة هُمُ الْمُتَّقُونَ أي : الشرك كما روعي معناه فجمع في قوله تعالى : لِلْكافِرِينَ فإن الكافرين ظاهر واقع موقع الضمير ، إذ الأصل مثوى لهم وكما في قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [ البقرة : 17 ] ثم قال ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] قال الزمخشري : ويجوز أن يريد الفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصحابته رضي الله تعالى عنهم الذين صدقوا به ا . ه قال أبو حيان : وفيه توزيع للصلة والفوج هو الموصول فهو كقولك : جاءالفريق الذي شرف وشرف ، والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة صلة لمن له الصلة الأولى ، وقيل : بل الأصل والذين جاء بالصدق فحذفت النون تخفيفا كقوله تعالى : كَالَّذِي خاضُوا [ التوبة : 69 ] قال ابن عادل : وهذا وهم إذ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان يقال : والذي جاؤوا كقوله