الخطيب الشربيني

520

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

محمول على الصيغ والحروف . إِنَّا أي : بما لنا من العظمة أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا أشرف الخلق خاصة بواسطة جبريل الملك الْكِتابَ أي : القرآن الجامع لكل خير وقوله تعالى : بِالْحَقِّ يجوز أن يتعلق بالإنزال أي : بسبب الحق وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل أو المفعول وهو الكتاب أي : ملتبسين بالحق أو ملتبسا بالحق والصدق والصواب ، والمعنى : أن كل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق يجب العمل به ، وفي قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ تكرير تعظيم بسبب إبرازه في جملة أخرى مضافا إنزاله إلى المعظم نفسه ، فإن قيل : لفظ تنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله نجما نجما على وفق المصالح على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله دفعة واحدة . أجيب : بأن طريق الجمع أن يقال : إنا حكمنا حكما كليا بأنا نوصل إليك هذا الكتاب وهذا هو الإنزال ثم أوصلناه إليك نجما نجما على وفق المصالح . ولما بين تعالى أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق أردفه ببيان بعض ما فيه من الحق والصدق ، وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فقال سبحانه وتعالى : فَاعْبُدِ اللَّهَ أي : الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أي : ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر . أَلا لِلَّهِ أي : الملك الأعلى وحده الدِّينُ الْخالِصُ أي : لا يستحقه غيره فإنه المنفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر ، قال قتادة : الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله ، وقال مجاهد : الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهي لأن قوله تعالى : فَاعْبُدِ اللَّهَ عام وروي أن امرأة الفرزدق لما قربت وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها ، فلما دفنت قال الحسن البصري : يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، فقال الحسن هذا العمود فأين الطنب ؟ قال ابن عادل : فبين بهذا اللفظ الوجيز أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة أي : الانتفاع الكامل وإلا فهي ينتفع بها ولكن رأس العبادات الإخلاص في التوحيد واتباع الأوامر واجتناب النواهي . وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أي : من دون الله أَوْلِياءَ وهم كفار مكة اتخذوا الأصنام وقالوا ما نَعْبُدُهُمْ أي : لشيء من الأشياء إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ أي : الذي له معاقد العز ومجامع العظمة زُلْفى وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم من ربكم ومن خلقكم ومن خلق السماوات والأرض قالوا : الله فيقال : فما عبادتكم لهم قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى أي : قربى ، وهو اسم أقيم مقام المصدر كأنهم قالوا : إلا ليقربونا إلى الله تعالى تقريبا حسنا سهلا وتشفع لنا عند الله تعالى . إِنَّ اللَّهَ أي : الذي له جميع صفات الكمال يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي : وبين المسلمين فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي : من أمر الدين فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار إِنَّ اللَّهَ أي : الملك القادر لا يَهْدِي أي : لا يرشد مَنْ هُوَ كاذِبٌ أي : في قوله إن الآلهة تشفع لهم مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وفي نسبة الولد إلى الله تعالى كَفَّارٌ أي : بعبادته غير الله تعالى . لَوْ أَرادَ اللَّهُ أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً أي : كما قالوا اتخذ الرحمن ولدا لَاصْطَفى أي : اختار مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي : اتخذ ولدا غير من قالوا الملائكة