الخطيب الشربيني
494
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
داود أن يقتله ويتزوج بها ، فأرسل داود إلى ابن أخته أن قدم أوريا قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل أن يرجع وراءه حتى يفتح الله تعالى على يديه أو يقتل ، فقدمه ففتح على يديه فكتب إلى داود فأمر أن يقدمه بعد ذلك ففعل ثلاث مرات فقتل في الثالثة فلما انقضت عدتها تزوج بها فهي أم سليمان عليهما السلام . قال الرازي : والذي أدين الله تعالى به وأذهب إليه أن ذلك باطل لوجوه . الأول : أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورا لانتفى منها والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إلى داود عليه السّلام . ثانيها : أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته ، أما الأول : فأمر منكر قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله » « 1 » ، وأما الثاني : فمنكر أيضا قال صلّى اللّه عليه وسلم : « المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » « 2 » فإن أوريا لم يسلم من داود عليه السّلام لا في روحه ولا في منكوحه . ثالثها : إن الله تعالى وصف داود عليه السّلام بصفات تنافي كونه عليه السّلام موصوفا بهذا الفعل المنكر . الصفة الأولى : أنه تعالى أمر محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أن يقتدي بداود عليه السّلام في المصابرة على المكاره فلو قلنا : إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم عبد مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل صلّى اللّه عليه وسلم بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله تعالى . الصفة الثانية : أنه وصفه بكونه عبدا له وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا في وصف العبودية في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات ، فلو قلنا : إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملا إلا في طاعة الهوى والشهوة . الصفة الثالثة : وهي قوله تعالى ذَا الْأَيْدِ أي : ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم . الصفة الرابعة : كونه أوابا كثير الرجوع إلى الله فكيف يليق هذا الوصف بمن قلبه مشغول بالفسق والفجور . الصفة الخامسة : قوله تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذ سبيل القتل والفجور ؟ ! . الصفة السادسة : قوله تعالى : وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً قيل : إنه كان محرما عليه صيد شيء من
--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة اللّه » ، أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة في الديات حديث 2620 ، والبيهقي في السنن الكبرى 8 / 22 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 3 / 294 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 39895 ، 39937 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 10 ، ومسلم في الإيمان حديث 40 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2481 ، والترمذي في صفة القيامة حديث 2504 ، والنسائي في الإيمان حديث 4996 .