الخطيب الشربيني
489
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
منتظرين لها على معنى قربها منهم كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يقطع كل ساعة بحضوره ، قيل : المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة كما يقال : صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر « 1 » : صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان ونظيره قوله تعالى : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ [ يونس : 102 ] الآية . وقرأ حمزة والكسائي : ما لَها أي : الصيحة مِنْ فَواقٍ بضم الفاء ، والباقون بفتحها ، وهما لغتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع والمعنى : ما لها من توقف قدر فواق ناقة ، وفي الحديث : « العبادة قدر فواق ناقة » « 2 » وهذا في المعنى كقوله تعالى : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] وقال ابن عباس : ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال : أفاقت الناقة تفيق إفاقة ، رجعت واجتمعت الفيقة في ضرعها ، والفيقة اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين ، وهو أن يحلب الناقة ثم يترك ساعة حتى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق أي : العذاب لا يمهلهم بذلك القدر . وَقالُوا أي : كفار مكة استهزاء لما نزل قوله تعالى في الحاقة : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الحاقة : 19 ] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [ الحاقة : 25 ] رَبَّنا أي : يا أيها المحسن إلينا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا أي : كتاب أعمالنا في الدنيا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ وقال سعيد بن جبير : يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول ، وقال مجاهد والسدي : يعنون عقوبتنا ونصيبنا من العذاب ، قال عطاء : قاله النضر بن الحارث وهو قوله : إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 32 ] وقال مجاهد : قطنا حسابنا ، يقال لكتاب الحساب : قط ، وقال أبو عبيدة والكسائي : القط الكتاب بالجوائز ويجمع على قطوط وقططة ، كقرد وقرود وقردة ، وفي القلة على أقطة وأقطاط ، كقدح وأقدحة وأقداح ، إلا أن أفعلة في فعل شاذ . ولما أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة أولها : من أمر النبوات وإثباتها كما قال تعالى : وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ ص : 4 ] وثانيها : تعجبهم من الإلهيات فقالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً وثالثها : تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا : رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ قالوا ذلك استهزاء أمر الله تعالى نبيه عليه السّلام بالصبر فقال سبحانه : اصْبِرْ وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال عَلى ما يَقُولُونَ أي : على ما يقول الكافرون من ذلك ، ثم إنه تعالى لما أمر نبيه بالصبر ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية له فكأنه تعالى قال : فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولا بهم خاص ، وحزن خاص ، فيعلم حينئذ أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله تعالى لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا . وبدأ من ذلك بقصة داود عليه السّلام فقال تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أي : الذي أخلصناه لنا وأخلص
--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .