الخطيب الشربيني
485
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضته . وَالْقُرْآنِ أي : الجامع مع البيان لكل خير ذِي الذِّكْرِ أي : الموعظة والتذكير وقال ابن عباس : ذي البيان ، وقال الضحاك : ذي الشرف ودليله قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] ، فإن قيل : هذا قسم فأين المقسم عليه ؟ أجيب : بأنه محذوف تقديره : ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة . وقوله تعالى : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : من أهل مكة إضراب انتقال من قصة إلى أخرى فِي عِزَّةٍ أي : حمية وتكبر عن الإيمان وَشِقاقٍ أي : خلاف وعداوة للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما ، وقيل : جواب القسم قد تقدم وهو قوله تعالى : ص أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمد الصادق وقال الفراء : ص معناها وجب وحق فهو جواب قوله : وَالْقُرْآنِ كما تقول : نزل والله ، وقال الأخفش : قوله تعالى : إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ وقال السدي : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ، قال البغوي : وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم وبين هذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة وقال مجاهد : في عزة متعازين . كَمْ أي : كثيرا أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ وأكد كثرتهم بقوله تعالى : مِنْ قَرْنٍ أي : من أمة من الأمم الماضية كانوا في شقاق مثل شقاقهم . تنبيه : كم مفعول أهلكنا ، ومن قرن تمييز ، ومن قبلهم لابتداء الغاية فَنادَوْا أي : استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة وقيل : نادوا بالإيمان والتوبة وَلاتَ أي : وليس الحين حِينَ مَناصٍ أي : منجى وفرار ، قال ابن عباس : كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب ، قال بعضهم لبعض : مناص أي : اهربوا وخذوا حذركم ، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا : مناص ، فأنزل الله تعالى ذلك ، والمناص مصدر ناص ينوص إذا تقدم ، ولات بمعنى : ليس بلغة أهل اليمن ، وقال النحويون : هي لا زيدت فيها التاء كقولهم : رب وربت ، وثم وثمت ، وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا : لات كما قالوا : ثمت ولا تعمل إلا في الأزمان خاصة نحو لات حين ولات أوان كقول الشاعر « 1 » : طلبوا صلحنا ولات أوان * فأجبنا أن ليس حين بقاء والأكثر حينئذ حذف مرفوعها فتقديره ولات الحين حين مناص ، وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع كقول القائل « 2 » : من صد عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا براح أي : لا براح لي ، ولما حكى تعالى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة بقوله تعالى : وَعَجِبُوا أي : الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ أَنْ أي : لأجل أن جاءَهُمْ مُنْذِرٌ هو النبي صلّى اللّه عليه وسلم وفي قوله تعالى : مِنْهُمْ وجهان أحدهما : أنهم قالوا أن محمدا مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنية
--> ( 1 ) البيت من الخفيف ، وهو لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص 30 ، والإنصاف ص 109 ، وتخليص الشواهد ص 295 ، وتذكرة النحاة ص 734 ، وخزانة الأدب 4 / 183 ، والدرر 2 / 119 ، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 249 ، والخصائص 2 / 370 ، ولسان العرب ( أون ) ، ( لا ) ، ( لات ) . ( 2 ) البيت من مجزوء الكامل ، وهو لسعد بن ناشب ، أو لسعد بن مالك في تاج العروس ( لا ) .