الخطيب الشربيني

468

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

إِلى رَبِّي [ العنكبوت : 26 ] أي : مهاجر إليه من دار الكفر سَيَهْدِينِ أي : إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي وهو الشام ، وإنما بتّ القول لسبق وعده ولفرط توكله أو للبناء على عادته تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه السّلام حيث قال عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ [ القصص : 22 ] فلذلك ذكر بصيغة التوقع . ولما وصل إلى الأرض المقدسة قال : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ أي : هب لي ولدا صالحا يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة ؛ لأن لفظ هب غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [ مريم : 53 ] . قال الله تعالى : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ أي : ذي حلم كثير في كبره غلام في صغره ، ففيه بشارة بأنه ابن وأنه يعيش وينتهي إلى سن يوصف بالحلم وأي حلم أعظم من أنه عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصافات : 102 ] وقيل : ما وصف الله تعالى نبيا بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام وحالتهما المذكورة تشهد عليه . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي : أن يسعى معه قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة : بلغ معه السعي إي المشي معه إلى الجبل وقال مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : ما شب حتى بلغ سعيه بسعي إبراهيم والمعنى : بلغ أن يتصرف معه وأن يعينه في عمله ، وقال الكلبي : يعني العمل لله تعالى وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة ، وقيل : سبع سنين . تنبيه : معه متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأن قائلا قال : مع من بلغ السعي ؟ فقيل : مع أبيه ولا يجوز تعلقه ببلغ ؛ لأنه يقتضي بلوغهما معا حد السعي ولا يجوز تعلقه بالسعي ؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه . وقوله تعالى قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى أي : رأيت فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يحتمل أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره ، وقيل : إنه رأى في ليلة التروية في منامه كأن قائلا يقول له : إن الله تعالى يأمرك بذبح ابنك ، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله أم من الشيطان ؟ فمن ثم سمى يوم التروية فلما أمسى رأى أيضا مثل ذلك فعرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر ، وهذا قول أكثر المفسرين ، وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة وعلى هذا فتقدير اللفظ : أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك . تنبيه : اختلف في الذبيح فقيل : هو اسحق عليه السّلام وبه قال : عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وغيرهم ، وقيل : إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم وغيرهم وهو الأظهر كما قاله البيضاوي ؛ لأنه الذي وهب له أثر الهجرة ولأن البشارة بإسحق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام ولقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا ابن الذبيحين » « 1 » . وقال له أعرابي : يا ابن الذبيحين فتبسم النبي صلّى اللّه عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال : إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر إن سهل الله

--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 / 281 ، والقرطبي في تفسيره 15 / 113 ، وابن كثير في تفسيره 7 / 29 ، والطبري في تفسيره 23 / 54 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 230 .