الخطيب الشربيني

466

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

التبرك عليه فإذا رجعوا أكلوه وقالوا للسيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام : اخرج . فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ إيهاما لهم أنه يعتمد عليها فيتبعوه . فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ أي : عليل وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خاليا في بيت الأصنام فيقدر على كسرها . فإن قيل : النظر في علم النجوم غير جائز فكيف قدم إبراهيم عليه السّلام عليه وأيضا لم يكن سقيما فكيف أخبرهم بخلاف حاله ؟ أجيب عن ذلك : بأنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام ؛ لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصة لأجلها يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير لازم ؛ لأن قوله إِنِّي سَقِيمٌ على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم ، وعلى تقدير تسليم ذلك أجيب بأوجه : أحدها : أن نظره في النجوم أو في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه الحمى في بعض ساعات الليل والنهار ، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال إِنِّي سَقِيمٌ فجعله عذرا في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقا فيما قال ؛ لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت . ثانيها أنهم كانوا أصحاب النجوم أي : يعلمونها ويقضون بها على أمورهم ، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي : في علم النجوم كما تقول : نظر فلان في الفقه أي : في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في عملهم وعرف منه ما يعرفونه حتى إذا قال لهم إِنِّي سَقِيمٌ سكنوا إلى قوله ، وأما قوله إِنِّي سَقِيمٌ فمعناه سأسقم كقوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ [ الزمر : 30 ] أي : ستموت . ثالثها : أن نظره في النجوم هو قوله تعالى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً إلخ الآيات [ الأنعام : 76 ] فكان نظره ليتعرف هذه الكواكب هل هي قديمة أو حادثة وقوله إِنِّي سَقِيمٌ أي : سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل بلوغه . رابعها : قال ابن زيد : كان له نجم مخصوص وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال إِنِّي سَقِيمٌ أي : هذا السقم واقع لا محالة . خامسها : أن قوله إِنِّي سَقِيمٌ أي : مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ الكهف : 6 ] . سادسها : قال الرازي : قال بعضهم : ذلك القول من إبراهيم عليه السّلام كذبة وأوردوا فيه حديثا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » « 1 » قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن ينقل ؛ إذ فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم عليه السّلام فقال ذلك الرجل : فكيف نحكم بكذب الراوي العدل ؟ فقلت له : لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبة الكذب إلى الراوي أولى ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ أي : نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3358 ، ومسلم في الفضائل حديث 2542 .