الخطيب الشربيني

457

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

كله » « 1 » ، وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين ، ووعد الله تعالى المؤمن أن يعطيه الكتاب باليمين ، وقيل : إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم ، وقيل : عن اليمين عن القوة والقدرة كقوله تعالى : لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [ الحاقة : 45 ] . قالُوا أي : المتبوعون لهم بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي : وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا وإنما الكفر من قبلكم . وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي : قوة وقدرة حتى نقهركم ونجبركم على متابعتنا بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ أي : ضالين مثلنا . فَحَقَّ أي : وجب عَلَيْنا جميعا قَوْلُ رَبِّنا أي : كلمة العذاب وهو قوله تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ هود : 119 ] إِنَّا أي : جميعا لَذائِقُونَ أي : العذاب بذلك القول ونشأ عنه قولهم : فَأَغْوَيْناكُمْ أي : فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه إِنَّا كُنَّا غاوِينَ أي : ضالين فأحببتم أن تكونوا مثلنا ، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليست من قبلهم إذ لو كان كل غواية بإغواء غاو فمن أغوى الأول قال الله تعالى : فَإِنَّهُمْ أي : المتبوعين والأتباع يَوْمَئِذٍ أي : يوم القيامة فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ أي : كما كانوا مشتركين في الغواية . إِنَّا أي : بما لنا من العظمة والقدرة كَذلِكَ أي : كما نفعل بهؤلاء نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ غير هؤلاء أي : نعذبهم التابع منهم والمتبوع . ثم وصفهم الله تعالى بقوله : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ أي : يتكبرون عن كلمة التوحيد أو عمن يدعوهم إليها . وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا في الهمزتين ما مر لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلم . ثم إن الله تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله تعالى : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ أي : الدين الحق وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أي : صدقهم في مجيئهم بالتوحيد فأتى بما أتى به المرسلون من قبله . ثم التفت من الغيبة إلى الحضور فقال تعالى : إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ثم كأنه قيل : كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي الغني عن الضر والنفع أن يعذب عباده ؟ فأجاب بقوله تعالى : وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي : جزاء عملكم وقوله تعالى : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي : المؤمنين استثناء منقطع ، وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام بعد الخاء أي : إن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله ، والباقون بالكسر أي : إنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى . وقوله : أُولئِكَ لَهُمْ أي : في الجنة رِزْقٌ مَعْلُومٌ أي : بكرة وعشيا بيان لحالهم وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غدوة أو عشية ، وقيل : معلوم الصفة أي : مخصوص بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر ، وقيل معناه : أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ينقطع ، وقيل : معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله تعالى . وقوله : فَواكِهُ يجوز أن يكون بدلا من رزق ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : ذلك الرزق

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 426 ، والنسائي في الزينة حديث 5240 .