الخطيب الشربيني
455
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني ، والباقون بالاستفهام فيهما وسهل الهمزة الثانية في الاستفهام نافع وابن كثير وأبو عمرو وحقق الباقون ، وأدخل في الاستفهام الفاء بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام ، والباقون بغير إدخال ، وقرأ قالون وابن عامر أو آباؤنا بسكون الواو على أنها أو العاطفة المقتضية للشك ، والباقون بفتحها على أنها همزة الاستفهام دخلت على واو العطف ، وقرأ الكسائي نَعَمْ بكسر العين وهو لغة فيه . وقوله تعالى : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ جواب شرط مقدر أي : إذا كان كذلك فإنما البعثة زجرة أي : صيحة واحدة هي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها ، وأمرها في الإعادة كأمرها بكن في الابتداء ولذلك رتب عليها فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أي : أحياء في الحال من غير مهلة ينظر بعضهم بعضا ، وقيل : ينظرون ما يحدث لهم أو ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به ، ولا فرق بين من صار كله ترابا ومن لم يتغير أصلا ومن هو بين ذلك ، قال البقاعي : ولعله خص بالذكر ؛ لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا قبض الروح تبعه البصر » « 1 » وأما السمع فقد يكون لغير الحي ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلم قال في الكفار من قتلى بدر : « ما أنتم بأسمع لما أقول منهم » « 2 » قال : وشاهدت أنا في بلاد العرب المجاورة لنابلس شجرة لها شوك يقال لها : الغبيرا متى قيل عندها : هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة أخذ ورقها في الحال في الذبول فإنه سبحانه أعلم ما سبب ذلك . تنبيه : لا أثر للصيحة في الموت ولا في الحياة بل خالق الموت والحياة هو الله تعالى كما قال تعالى الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] روي أن الله تعالى يأمر الملك إسرافيل فينادي : أيها العظام النخرة والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى . وَقالُوا أي : كل من جمعه البعث من الكفرة بعد القيام من القبور معلنين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل يا وَيْلَنا أي : هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه وقال الزجّاج : الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة وتقول لهم الملائكة : هذا يَوْمُ الدِّينِ أي : الحساب والجزاء . هذا يَوْمُ الْفَصْلِ أي : بين الخلائق الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وقيل : هو أيضا من كلام بعضهم لبعض . وقوله تعالى : احْشُرُوا أي : اجمعوا بكره وصغار الَّذِينَ ظَلَمُوا أي : ظلموا أنفسهم بالشرك أمر من الله تعالى للملائكة عليهم السلام ، وقيل : أمر من بعضهم لبعض أي : احشروا الظلمة من مقامهم إلى الموقف ، وقيل : منه إلى جهنم وَأَزْواجَهُمْ أي : وأشباههم عابدوا الصنم مع عبدة الصنم وعابدو الكواكب مع عبدتها كقوله تعالى وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [ الواقعة : 7 ] أي : أشكالا وأشباها ، وقال الحسن : وأزواجهم المشركات ، وقال الضحاك ومقاتل : قرناؤهم من الشياطين وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي أي : يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : غيره في الدنيا من الأوثان والطواغيت زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم ،
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجنائز حديث 920 ، وابن ماجة في الجنائز حديث 1454 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 3976 ، ومسلم في الجنة حديث 2873 ، والنسائي في الجنائز حديث 2074 .