الخطيب الشربيني
439
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
تنبيه : ههنا سؤالات : الأول : ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال نَخْتِمُ وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، الثاني : ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل ، الثالث : أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة وإن كان عدلا ، وغير الصديقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم ، والأيدي والأرجل صدرت الذنوب عنها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتهم ؟ أجيب : عن الأول : بأنه لو قال : نختم على أفواههم وننطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبرا وقهرا والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ أي : بالاختيار بعدما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم . وأجيب عن الثاني : بأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أي : ما عملوه وقال تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] أي : ولا تلقوا أنفسكم فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهن . وأجيب عن الثالث : بأن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكلف ولا ينسب إليها عدالة ولا فسق إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه ، ولا يقال : ورد أن العين تزني وأن الفرج يزني وأن اليد كذلك ؛ لأن معناه أن المكلف يزني بها لا أنها هي تزني ، وأيضا فإنا نقول : في رد شهادتها قبول شهادتها ؛ لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بد أن يكون مذنبا في الدنيا وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا ، وهذا كمن قال لفاسق : إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر فقال الفاسق : كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد ؛ لأنه إن صدق في قوله : كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووقع الجزاء ، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم فقد وجد الشرط أيضا بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني : كذبت في نهار ذلك اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه . ثم بين سبحانه وتعالى أنه قادر على إذهاب الأبصار كما هو قادر على إذهاب البصائر بقوله تعالى : وَلَوْ نَشاءُ وعبر بالمضارع ليتوقع في كل حين فيكون أبلغ في التهديد لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ أي : الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى الطمس كقوله تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ البقرة : 20 ] يقول : إنا أعمينا قلوبهم ولو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة وقوله تعالى فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي : ابتدروا الطريق ذاهبين كعادتهم عطف على لطمسنا فَأَنَّى أي : فكيف يُبْصِرُونَ الطريق حينئذ وقد أعمينا أعينهم أي : لو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميا يترددون فلا يبصرون الطريق وهذا قول الحسن والسدي ، وقال ابن عباس ومقاتل : معناه لو نشاء لطمسنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم . ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال تعالى : وَلَوْ نَشاءُ أي : مسخهم لَمَسَخْناهُمْ أي : حولناهم عن تلك الحالة فجعلناهم حجارة أو جعلناهم قردة وخنازير . ولما كان المقصود من المفاجأة بهذه المصائب بيان أنه سبحانه لا كلفة عليه في شيء من ذلك قال تعالى عَلى مَكانَتِهِمْ أي : المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منهم شاغلا له