الخطيب الشربيني
434
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
صعوبته وطوله وَصَدَقَ أي : في أمره الْمُرْسَلُونَ أي : الذين أتونا بوعد الله تعالى ووعيده . تنبيه : في إعراب هذا وجهان : أظهرهما : أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقف تاما على قوله تعالى مِنْ مَرْقَدِنا وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى أو من قول الملائكة أو من قول المؤمنين ، الثاني : أنها من كلام الكفار فتكون في محل نصب بالقول الثاني من الوجهين الأولين هذا صفة لمرقدنا وما وعد منقطع عما قبله ، ثم في ( ما ) وجهان أحدهما : أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي : الذي وعده الرحمن وصدق المرسلون فيه حق عليكم وإليه ذهب الزجّاج والزمخشري ، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : في هذا الذي وعد الرحمن . إِنْ أي : ما كانَتْ أي : النفخة التي وقع الإحياء بها إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي : كما كانت صيحة الإماتة واحدة فَإِذا هُمْ أي : فجأة من غير توقف أصلا جَمِيعٌ أي : على حالة الاجتماع لم يتأخر منهم أحد لَدَيْنا أي : عندنا مُحْضَرُونَ . ثم بين تعالى ما يكون في ذلك اليوم بقوله تعالى : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ أي : أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة شَيْئاً أي : لا يقع لها ظلم ما من أحد ما في شيء ما وَلا تُجْزَوْنَ أي : على عمل من الأعمال شيئا من الجزاء من أحد إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ديدنا لكم بما ركز في جبلاتكم . ثم بين تعالى حال المحسن بقوله تعالى : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 55 إلى 70 ] إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ( 56 ) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ ( 57 ) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 ) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 ) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 ) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 ) . إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أي : الذين لاحظ للنار فيهم الْيَوْمَ أي : يوم البعث وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم ودخول بعضهم إليها ووقوف الباقين للشفاعات ونحوها من الكرامات عند دخول أهل النار النار ، وعبر بما يدل على أنهم بكلياتهم مقبلون عليه ومطرقون له مع توجههم إليه بقوله فِي شُغُلٍ أي : عظيم جدا لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في الطاعات . وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم الغين ، والباقون بالإسكان ثم بين ذلك الشغل بقوله فاكِهُونَ أي : متلذذون في النعمة ، واختلف في هذا الشغل فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : في افتضاض الإبكار ، وقال وكيع بن الجراح رضي الله عنهما : في السماع ، وقال الكلبي : في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم ، وقال ابن كيسان : في زيارة