الخطيب الشربيني

430

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

سفينة نوح عليه السّلام لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد . وقوله تعالى في سفينة نوح عليه السّلام وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ [ العنكبوت : 15 ] أي : بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ لقمان : 31 ] ، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ولم يقل : وآية لهم الفلك ؟ أجيب : بأن حملهم في الفلك هو العجب أما نفس الفلك فليس بعجيب ؛ لأنه كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل فعجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله . فإن قيل : قال تعالى وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الإسراء : 70 ] ولم يقل : ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة . أجيب : بأنه تعالى لما قال فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ عم الخلق جميعا ؛ لأن ما من أحد إلا وحمل في البر والبحر ، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال : إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء ، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية على الجمع ، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد واختلف في تفسير قوله تعالى : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ أي : من مثل الفلك ما يَرْكَبُونَ فقال ابن عباس : يعني الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل : أراد به السفن التي عملت بعد سفينة نوح عليه السّلام على هيأتها ، وقال قتادة والضحاك وغيرهما : أراد به السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار . وَإِنْ نَشَأْ أي : لأجل ما لنا من القوة الشاملة والقدرة التامة نُغْرِقْهُمْ أي : مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس كالماء الذي حملنا آباءهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ أي : مغيث لهم لينجيهم مما نريد بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم : أتاهم الصريخ وَلا هُمْ أي : بأنفسهم من غير صريخ يُنْقَذُونَ أي : يكون لهم إنقاذ أي : خلاص لأنفسهم أو غيرها . إِلَّا رَحْمَةً أي : فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة مِنَّا أي : لهم لا وجوبا علينا ولا لمنفعة تعود منهم إلينا وَمَتاعاً أي : وتمتيعنا إياهم بلذاتهم إِلى حِينٍ أي : إلى انقضاء آجالهم . وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي : من أي : قائل كان اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أي : من عذاب الدنيا كغيركم وَما خَلْفَكُمْ من عذاب الآخرة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما بين أيديكم يعني : الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني : الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها ، وقال قتادة ومقاتل : ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة . تنبيهان : أحدهما : إِلَّا رَحْمَةً منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ وقيل : مستثنى منقطع وقيل : على المصدر بفعل مقدر وقيل : على إسقاط الخافض أي : إلا برحمة والفاء في قوله تعالى فَلا صَرِيخَ لَهُمْ رابطة لهذه الجملة بما قبلها ، فالضمير في لهم عائد على المغرقين . ثانيهما : جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وعلى هذا فلفظ كانوا زائد . وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ أي : المحسن إليهم إِلَّا كانُوا أي : مع كونها من عند