الخطيب الشربيني

424

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 36 إلى 54 ] سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 ) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 44 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 45 ) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 46 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 47 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ( 49 ) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( 50 ) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 53 ) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) . وَما أَنْزَلْنا بما لنا من العظمة عَلى قَوْمِهِ أي : حبيب مِنْ بَعْدِهِ أي : من بعد إهلاكه أو رفعه مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لإهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك ، وفيه استحقار بإهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وإلا لكان تحريك ريشة من جناح ملك كافيا في استئصالهم ، فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى مِنْ بَعْدِهِ وهو تعالى لم ينزل عليهم من قبله ؟ أجيب : بأن استحقاق العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الإهلاك بقوله تعالى : وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي : ما كان ذلك من سنتنا وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير . إِنْ أي : ما كانَتْ أي : الواقعة التي عذبوا بها إِلَّا صَيْحَةً صاحها بهم جبريل عليه السّلام فماتوا عن آخرهم وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله تعالى : واحِدَةً أي : لحقارة أمرهم عندنا ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله تعالى : فَإِذا هُمْ خامِدُونَ أي : ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت بهم حركة يوما من الدهر شبهوا بالنار رمزا إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد « 1 » : وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه * يصير رمادا بعد إذ هو ساطع وقال المعري « 2 » : وكالنار الحياة فمن رماد * أواخرها وأولها دخان قال المفسرون : أخذ جبريل عليه السّلام بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة فماتوا يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ أي : هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا وهي شدة التألم ونداؤها

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للبيد في ديوانه ص 169 ، وحماسة البحتري ص 84 ، والدرر 2 / 53 ، ولسان العرب ( حور ) ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 1 / 110 . ( 2 ) البيت بلا نسبة في الإيضاح في علوم البلاغة 1 / 101 .