الخطيب الشربيني

41

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 37 إلى 39 ] يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 ) . طسم قال ابن عباس : عجزت العلماء عن علم تفسيرها ، وفي رواية عنه : أنه قسم وهو من أسماء الله تعالى . وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن وقال مجاهد اسم السورة ، وقال محمد بن كعب القرظي : أقسم بطوله وسناه وملكه ، ولهذا الاختلاف قال الجلال المحلي : الله أعلم بمراده بذلك ، وقد قدمنا الكلام على أوائل السور في أول سورة البقرة وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بإمالة الطاء ، والباقون بالفتح ، وأظهر حمزة النون من سين عن الميم ، وأدغمها الباقون وهي في مصحف عبد الله بن مسعود ط س م مقطوعة من بعضها . تِلْكَ أي : هذه الآيات العالية المرام الحائزة أعلى مراتب التمام المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات ألسنتكم آياتُ الْكِتابِ أي : القرآن الجامع لكل فرقان الْمُبِينِ أي : الظاهر إعجازه المظهر الحق من الباطل . ولما كان عنده صلّى اللّه عليه وسلم من مزيد الشفقة وعظيم الرحمة على قومه قال تعالى تسلية له : لَعَلَّكَ باخِعٌ أي : هالك نَفْسَكَ غما وأسفا من أجل أَلَّا يَكُونُوا أي : قومك مُؤْمِنِينَ أي : راسخين في الإيمان أي : لا تبالغ في الحزن والأسف فإن هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير ، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ ولو شئنا لهديناهم طوعا أو كرها . والبخع : أن يبلغ بالذبح البخاع بالخاء والباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذابح . ولعل : للإشفاق أي : أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إيمان قومك فصبره وعزاه وعرفه أن حزنه وغمه لا ينفع كما أن وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع . ثم إنه تعالى أعلمه بأن كل ما هم فيه إنما هو بإرادته بقوله تعالى : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ وعبر بالمضارع فيهما إعلاما بدوام القدرة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون الثانية وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ، ثم قال تعالى محققا للمراد مِنَ السَّماءِ أي : التي جعلنا فيها بروجا للمنافع ، وأشار إلى تمام القدرة بتوحيدها بقوله تعالى : آيَةً أي : قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه . تنبيه : هنا همزتان مختلفتان ، أبدل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة الثانية المفتوحة بعد المكسورة ياء خالصة ، وحققها الباقون . ثم أشار تعالى إلى تحقق هذه الآية بالتعبير بالماضي في قوله تعالى عطفا على ننزل لأنه في معنى أنزلنا فَظَلَّتْ أي : عقب الإنزال من غير مهلة أَعْناقُهُمْ أي : التي هي موضع الصلابة وعنها تنشأ حركات الكبر والإعراض لَها خاضِعِينَ أي : منقادين . تنبيه : خاضعين : خبر عن أعناقهم ، واستشكل جمعه جمع سلامة لأنه مختص بالعقلاء ؟ وأجيب عنه بأوجه : أحدها : أن المراد بالأعناق رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال لهم الرؤوس والنواصي والصدور ، قال القائل « 1 » :

--> ( 1 ) يروى البيت بتمامه بلفظ : ومشهد قد كفيت الغائبين به * في مجمع من نواحي الناس مشهود والبيت من البسيط ، وهو لأم قبيس الضبية في لسان العرب ( نصا ) ، وتاج العروس ( نصا ) ، وبلا نسبة في أساس البلاغة ( نصو ) .