الخطيب الشربيني

408

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ [ البقرة : 113 ] فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ أي : على ما شرطوا وزيادة وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم نفسا وأشرفهم نسبا وأكرمهم خلقا ما زادَهُمْ أي : مجيئه شيئا مما هم عليه من الأحوال إِلَّا نُفُوراً أي : تباعدا عن الهدى ؛ لأنه كان سببا في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها ، فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق . ثم علل نفورهم بقوله تعالى : اسْتِكْباراً أي : طلبا لإيجاد الكبر لأنفسهم فِي الْأَرْضِ أي : التي من شأنها السفول والتواضع والخمول فلم يكن نفورهم لأمر محمود ولا مباح ، ويجوز أن يكون استكبارا بدلا من نفورا وأن يكون حالا أي : حال كونهم مستكبرين قاله الأخفش . وقوله تعالى وَمَكْرَ السَّيِّئِ فيه وجهان : أظهرهما : أنه عطف على استكبارا ، والثاني : أنه عطف على نفورا وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل إذ الأصل والمكر السئ ، والبصريون يؤولونه على حذف موصوف أي : العمل السئ أي : الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره وهو إرادتهم لإهانة أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وإطفاء نور الله عز وجل ، وقال الكلبي : هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقرأ حمزة في الوصل بهمزة ساكنة أي : بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر واتقانه وإخفائه جهدهم ، والباقون بهمزة مكسورة ، وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء وأدغم الياء الأولى في الياء الثانية ، ووقف الباقون بهمزة ساكنة وَلا أي : والحال أنه لا يَحِيقُ أي : يحيط إحاطة لازمة خسارة الْمَكْرُ السَّيِّئُ أي : الذي هو عريق في السوء إِلَّا بِأَهْلِهِ أي : وإن أذى غير أهله لكنه لا يحيط بذلك الغير ، فإن قيل : كثيرا ما نرى الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك ، أجيب : بأجوبة : أحدها : أن المكر في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم حيث قتلوا يوم بدر وغيره . ثانيها : أنه عام وهو الأصح ، ويدل له قول الزهري : بلغنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله تعالى يقول : وقرأ هذه الآية ، ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى : إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [ يونس : 23 ] ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثا قال الله تعالى فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ « 1 » [ الفتح : 10 ] . ثالثها : أن الأعمال بعواقبها ومن مكر بغيره ونفذ فيه المكر عاجلا في الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك كمثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى فَهَلْ يَنْظُرُونَ أي : ينتظرون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ أي : سنة الله تعالى فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم ، والمعنى : فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار . ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس عدل عن ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق بقوله تعالى : فَلَنْ تَجِدَ أي : في وقت من الأوقات لِسُنَّتِ اللَّهِ أي : طريقة الملك الأعظم التي شرعها وحكم بها وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين تَبْدِيلًا أي :

--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 655 .