الخطيب الشربيني

401

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 37 إلى 38 ] وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 ) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 38 ) . وَالَّذِي أَوْحَيْنا أي : بما لنا من العظمة إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ أي : الجامع خيري الدارين . تنبيه : مِنَ الْكِتابِ يجوز أن تكون من للبيان كما يقال : أرسل إلى فلان من الثياب جملة ، وأن تكون للجنس ، وأن تكون لابتداء الغاية كما يقال : جاءني كتاب من الأمير ، وعلى كل فالكتاب يمكن أن يراد به اللوح المحفوظ يعني : الذي أوحينا من اللوح المحفوظ هُوَ الْحَقُّ أي : الكامل في الثبات ومطابقة الواقع ، ويمكن أن يراد به القرآن وهو ما اقتصر عليه الجلال المحلي يعني : الإرشاد التبيين اللذين أوحينا إليك من القرآن ، ويمكن أن تكون من للتبعيض وهو فصل أو مبتدأ وقوله تعالى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي : لما تقدمه من الكتب حال مؤكدة ؛ لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق وهذا تقرير لكونه وحيا ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما لم يكن قارئا كاتبا وأتى ببيان ما في كتاب الله لا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى ، فإن قيل : لم يجعل ما تقدم مصدقا للقرآن ؟ أجيب : بأن القرآن كونه معجزة يكفي تصديقه بأنه وحي وأما ما تقدم فلا بد فيه من معجزة تصدقه . تنبيه : قوله تعالى هُوَ الْحَقُّ آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين : أحدهما : أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور ؛ لأن الخبر في الأكثر يكون نكرة . الثاني : أن الإخبار في الغالب يكون إعلاما بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا : زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفا ولا يعلم قيامه فيخبر به ، فإذا كان الخبر معلوما فتكون الأخبار للنسبة فتعرف باللام كقولنا : إن زيدا العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهورا . إِنَّ اللَّهَ أي : الذي له جميع صفات الكمال بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ أي : عالم أدق العلم وأتقنه ببواطن أحوالهم بَصِيرٌ أي : بظواهر أمورهم وبواطنها أي : فهو يسكن الخشية والعلم في القلوب على قدر ما أوتوا من الكتاب في علمه ، فأنت أحقهم بالكمال ؛ لأنك أخشاهم وأتقاهم فلذلك آتيناك هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب ، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية . وقوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ في معناه وجهان : أحدهما : إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي : حكمنا بتوريثه أو قال تعالى أَوْرَثْنَا وهو يريد نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه وقال مجاهد : أورثنا أعطينا ؛ لأن الميراث إعطاء واقتصر على هذا الجلال المحلي ، وقيل : أورثنا أخرنا ومنه الميراث ؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه : أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له . تنبيه : أكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن ، وقيل : إن المراد جنس الكتاب الَّذِينَ اصْطَفَيْنا أي : اخترنا مِنْ عِبادِنا قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد بالعباد أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أي : من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة ، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الله تعالى أورث أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم كل كتاب أنزله أي : لأن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس ، وخصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله تعالى ، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله تعالى ، ثم قسمهم بقوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ