الخطيب الشربيني

395

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يطيقه شخص يقال : هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله تعالى وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي : ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هيّن على الله تعالى وقوله سبحانه عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي : يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب . وقوله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فيه حذف الموصوف للعلم به أي : ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، فإن قيل : كيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ؟ [ العنكبوت : 13 ] أجيب : بأن تلك الآية في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وكل ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم . وَإِنْ تَدْعُ أي : نفس مُثْقَلَةٌ أي : بالوزر إِلى حِمْلِها أي : من الوزر أحدا ليحمل بعضه لا يُحْمَلْ أي : من حامل ما مِنْهُ شَيْءٌ أي : لا طواعية ولا كرها بل لكل امرئ شأن يغنيه وَلَوْ كانَ ذلك الداعي أو المدعو للحمل ذا قُرْبى لمن دعاه . فإن قيل : ما الفرق بين معنى قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ومعنى قوله تعالى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ أجيب : بأن الأول : في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها ، والثاني : في أن لا غياث يومئذ بمن استغاث حتى أن نفسا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن تخفف بعض وزرها لم تجب ولم تغث ، وإن كان الداعي أو المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ قال ابن عباس : يلقى الأب أو الأم ابنه فيقول : يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي . تنبيه : أضمر الداعي أو المدعو بدلالة إن تدع عليه . ولما كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أسمعهم ذلك فلم ينفعهم نزل إِنَّما تُنْذِرُ أي : إنذارا يفيد الرجوع عن الغي الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي : المحسن إليهم فيوقعون هذا الفعل في الحال ويواطئون عليه في الاستقبال ، ولما كان أولى الناس عقلا وأعلاهم همة من كان غيبه مثل حضوره قال تعالى بِالْغَيْبِ وهو حال من الفاعل أي : يخشونه غائبين عنه أو من المفعول أي : غائبا عنهم . ولما كانت الصلاة جامعة للخضوع الظاهر والباطن فكانت أشرف العبادات وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص قال تعالى معبرا بالماضي ؛ لأن مواقيت الصلاة مضبوطة وَأَقامُوا أي : دليلا على خشيتهم الصَّلاةَ في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك من السنن وَمَنْ تَزَكَّى أي : تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ إذ نفعه لها وَإِلَى اللَّهِ أي : الذي لا إله غيره الْمَصِيرُ أي : المرجع كما كان منه المبدأ فيجازي كلا على فعله . ثم لما بين تعالى الهدى والضلالة وهدى الله تعالى المؤمن ولم يهد الكافر ضرب لهما مثلا بقوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى أي : عن الهدى وَالْبَصِيرُ بالهدى أي : المؤمن والكافر وقيل : الجاهل والعالم ، وقيل : هما مثلا للصنم ولله تعالى . وَلَا الظُّلُماتُ أي : الكفر وَلَا النُّورُ أي : الإيمان ، أو ولا الباطل ولا الحق . وَلَا الظِّلُّ أي : الجنة وَلَا الْحَرُورُ أي : النار ، أو ولا الثواب ولا العقاب . تنبيه : قال ابن عباس : الحرور الريح الحارة بالليل ، والسموم بالنهار وقيل : الحرور تكون بالنهار مع الشمس ، وقيل : السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار .