الخطيب الشربيني

387

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الكمال عَلِيمٌ أي : بالغ العلم بِما يَصْنَعُونَ فيجازيهم عليه . ثم عاد تعالى إلى البيان بقوله سبحانه : وَاللَّهُ أي : الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ أي : أوجدها من العدم فهبوبها دليل على الفاعل المختار ، لأن الهواء قد يسكن وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين وقد يتحرك إلى الشمال ، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب وقد لا ينشئ فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر مؤثر مقدر وقوله تعالى فَتُثِيرُ سَحاباً عطف على أرسل ؛ لأن أرسل بمعنى المستقبل فلذلك عطف عليه وأتى بأرسل لتحقيق وقوعه وب « تثير » لتصور الحال واستحضار الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة كقوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج : 63 ] ولما أسند فعل الإرسال إليه تعالى وما يفعله يكون بقوله تعالى : كُنْ * فلا يبقى في العدم لا زمانا ولا جزءا من الزمان فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة تكوينه فكأنه كان ، ولأنه فرغ عن كل شيء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة . ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهي تؤلف في زمان فقال فَتُثِيرُ أي : على هيئتها ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتوحيد ، والباقون بالجمع وقوله تعالى فَسُقْناهُ فيه التفاف عن الغيبة إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ أي : لا نبات بها ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء ، والباقون بالتخفيف فَأَحْيَيْنا بِهِ أي : بالمطر النازل منه ، وذكر السحاب كذكر المطر حيث أقيم مقامه أو بالسحاب فإنه سبب السبب أو الصائر مطرا الْأَرْضَ بالنبات والكلأ بَعْدَ مَوْتِها أي : يبسها . تنبيه : العدول في : « سقنا » و « أحيينا » من الغيبة في قوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ إلى ما هو أدخل في الاختصاص وهو التكلم فيهما لما فيهما من مزيد الصنع ، والكاف في قوله تعالى كَذلِكَ في محل رفع أي : مثل إحياء الموات النُّشُورُ للأموات وجه الشبه من وجوه : أولها : أن الأرض الميتة قبلت الحياة كذلك الأعضاء تقبل الحياة . ثانيها : كما أن الريح يجمع السحاب المقطع كذلك تجمع الأعضاء المتفرقة . ثالثها : كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت كذلك نسوق الروح إلى الجسد الميت . فإن قيل : ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد ؟ أجيب : بأنه تعالى لما ذكر كونه فاطر السماوات والأرض وذكر من الأمور السماوية الأرواح وإرسالها بقوله تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [ فاطر : 1 ] ذكر من الأمور الأرضية الرياح ، وروي أنه قيل لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال : هل مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز ؟ فقال : نعم فقال : فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه » « 1 » وقيل : يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق . ولما كان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال تعالى وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [ مريم : 81 ] والذين آمنوا بألسنتهم غير مواطئة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال تعالى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ النساء : 139 ]

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 11 ، وابن الجوزي في زاد المسير 6 / 476 .