الخطيب الشربيني
38
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ لنا بأن نراهم مطيعين لك ولا شيء أسر للمؤمن من أن يرى حبيبه يطيع الله تعالى ، وعن محمد بن كعب ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده يطيعون الله ، وعن ابن عباس هو الولد إذا رآه يكتب الفقه وخصوا الأزواج والذرية بذلك ؛ لأن الأقربين أولى بالمعروف . تنبيه : من في قوله تعالى مِنْ أَزْواجِنا يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل : هب لنا قرة أعين ، ثم بينت القرة وفسرت بقوله : مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا ومعناه أن اجعلهم لهم قرة أعين وهو من قولهم رأيت منك أسدا أي : أنت أسد ، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وإصلاح وأتوا بجمع القلة في أعين ؛ لأن المتقين الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها قليلون في جنب العاصين ، وقيل : سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم ووحد القرّة لأنها مصدر ، وأصلها من البرد لأن العرب تتأذى من الحر وتتروح إلى البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة العين عند الحزن ويقال : دمع العين عند السرور بارد وعند الحزن حار ، وقال الأزهري : معنى قرة العين أن يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه عن النظر إلى غيره ، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بألف بعد الياء على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي : أئمة يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كقوله تعالى : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ غافر ، 67 ] أو أرادوا واجعل كل واحد منا أو أرادوا جمع آم كصائم وصيام أو أرادوا اجعلنا إماما واحدا لاتحادنا واتفاق كلمتنا ، وعن بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يحسن أن تطلب ويرغب فيها ، وقال الحسن : نقتدي بالمتقين ويقتدي المتقون بنا ، وقيل : هذا من المقلوب ، أي : واجعل المتقين لنا إماما واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم ، وهو قول مجاهد ، وقيل : نزلت هذه الآية في العشرة المبشرين بالجنة . ولما بين تعالى صفات المتقين المخلصين بين بعده إحسانه إليهم بقوله تعالى : أُوْلئِكَ أي : العالو الرتبة العظيمة العظيمو المنزلة يُجْزَوْنَ أي : فضلا من الله تعالى على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية والأحوال الصافية الْغُرْفَةَ أي : الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصارا على الواحد الدال على الجنس والدليل على ذلك قوله تعالى : وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [ سبأ ، 37 ] ، وقيل : هي من أسماء الجنة ، ولما كانت القرب في غاية التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء بقوله تعالى : بِما صَبَرُوا أي : أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وغير ذلك من معالي خلالهم . ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة . قال تعالى وَيُلَقَّوْنَ فِيها أي : الغرفة تَحِيَّةً أي : دعاء الحياة من بعضهم لبعض ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ولا يمترى في إخبارهم ، لأنهم عن الله تعالى ينطقون وذلك على وجه الإعظام والإكرام مكان ما أهانهم عباد الشيطان وقيل : ملكا وقيل : بقاء دائما وَسَلاماً أي : من الله والملائكة وغيرهم وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب : اللهم وفقنا لطاعتك واجعلنا من أهل رحمتك وارزقنا مما رزقتهم في دار رضوانك يا أرحم الراحمين ، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بفتح الياء وسكون اللام