الخطيب الشربيني
373
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الأغلال وهذه إشارة إلى كيفية عذابهم هَلْ يُجْزَوْنَ أي : بهذه الأغلال إِلَّا ما أي : إلا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي : على سبيل التجديد والاستمرار . ولما كان في هذا تسلية أخروية للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أتبعه التسلية الدنيوية بقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا أي : بعظمتنا فِي قَرْيَةٍ وأكد النفي بقوله تعالى : مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها رؤساؤها الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان ولذلك قالوا لرسلهم : إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي : أيها المنذرون كافِرُونَ أي : وإذا قال المتنعمون ذلك تبعهم المستضعفون . وَقالُوا أي : المترفون أيضا متفاخرين نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً أي : في هذه الدنيا ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك ، فاعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم فعلى قياسهم ذلك قالوا : وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي : إن الله تعالى قد أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في الآخرة . ثم إن الله سبحانه وتعالى بين خطاهم بقوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : قُلْ أي : لهم إِنَّ رَبِّي أي : المحسن إلي بالإنعام بالسعادة الباقية يَبْسُطُ الرِّزْقَ أي : يوسعه في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ أي : يضيقه على من يشاء ابتلاء بدليل مقابلته بيبسط وهذا هو الطباق البديعي ، فالرزق في الدنيا لا تدل سعته على رضا الله تعالى ولا ضيقه على سخطه فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع ، وربما عكس وربما وسع عليهما وضيق عليهما ، وكم من موسر شقي وكم من معسر تقي وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي : كفار مكة لا يَعْلَمُونَ أي : ليس لهم علم فيتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلمون أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيدا في عقباه ولا كل مضيق عليه في دنياه شقيا . ثم بين تعالى فساد استدلالهم بقوله سبحانه وتعالى : وَما أَمْوالُكُمْ أي : أيها الخلق الذي أنتم من جملتهم وإن كثرت ، وكرر النافي تصريحا بإبطال كل على حياله فقال وَلا أَوْلادُكُمْ كذلك بِالَّتِي أي : بالأموال والأولاد التي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا أي : على مالنا من العظمة زُلْفى أي : درجة علية وقربة مكينة . تنبيه : قوله تعالى : بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ صفة للأموال والأولاد كما تقرر لأن جمع التكسير غير العاقل يعامل معاملة المؤنثة الواحدة وقال الفراء والزجاج : أنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه قالا : والتقدير : وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم ولا حاجة إلى هذا ، ونقل عن الفراء ما تقدم من أن التي صفة للأموال والأولاد معا وهو الصحيح ، وجعل الزمخشري « التي » صفة لموصوف محذوف قال : ويجوز أن تكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله تعالى زلفى وحدها أي : ليست أموالكم ولا أولادكم بتلك الموصوفة عند الله بالتقريب قال أبو حيان : ولا حاجة إلى هذا الموصوف انتهى . وزلفى : مصدر من معنى الأول إذ التقدير : تقربكم قربى وقال الأخفش : زلفى اسم مصدر كأنه قال : بالتي تقربكم عندنا تقريبا وأمالها حمزة والكسائي محضة وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي : تصديقا لإيمانه على ذلك الأساس استثناء من مفعول تقربكم أي : الأموال والأولاد لا تقرب أحد إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح ، أو من أموالكم وأولادكم على حذف المضاف إلى إلا أموال وأولاد من آمن وعمل