الخطيب الشربيني
350
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
والرغبة ، العزيز : يفيد التخويف والانتقام من المكذب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : قال بعضهم على وجه التعجب لبعض هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلم يُنَبِّئُكُمْ أي : يخبركم إخبارا لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نفعله أنكم إِذا مُزِّقْتُمْ أي : قطعتم وفرقتم بعد موتكم . وقوله تعالى كُلَّ مُمَزَّقٍ يحتمل أن يكون اسم مفعول أي : كل تمزيق فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض ، ويحتمل أن يكون ظرف مكان بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم الرياح والسيول كل مذهب إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي : تنشؤون خلقا جديدا بعد أن تكونوا رفاتا وترابا . والهمزة في قوله : أَفْتَرى أي : تعمد عَلَى اللَّهِ أي : الذي لا أعلم منه كَذِباً أي : بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل صحيح القصد همزة استفهام فالقراء الجميع يحققونها ، واستغنى بها عن همزة الوصل فإنها تحذف لأجلها فلذلك تثبت هذه الهمزة ابتداء ووصلا ، قال البغوي : هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك نصبت أَمْ بِهِ جِنَّةٌ أي : جنون يحكى به ذلك ، واستدل الجاحظ بهذه الآية على أن الكلام ثلاثة أقسام : صدق وكذب ، ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة منه على القسم الثالث أن قولهم أَمْ بِهِ جِنَّةٌ لا جائز أن يكون كذبا لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره ، ولا جائز أن يكون صدقا لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث . وأجيب عنه : بأن المعنى أم لم يفتر ولكن عبر هذا بقولهم أَمْ بِهِ جِنَّةٌ لأن المجنون لا افتراء له . تنبيه : قوله أَفْتَرى يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين أولا أي : من كلام القائلين هَلْ نَدُلُّكُمْ ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل هَلْ نَدُلُّكُمْ كأن القائل لما قال له هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ قال له : هل افترى على الله كذبا إن كان يعتقد خلافه أم به جنة أي : جنون إن كان لا يعتقد خلافه . ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أي : لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر بِالْآخِرَةِ أي : المشتملة على البعث والعذاب فِي الْعَذابِ أي : في الآخرة وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ أي : عن الصواب في الدنيا ، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا * في العذاب في مقابلة قولهم أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وقوله تعالى وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ في مقابلة قولهم أَمْ بِهِ جِنَّةٌ وكلاهما مناسب ، أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء ، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء ، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون ، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به للإسناد المجازي لأن من يسمي المهدي ضالا يكون أضل ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم هادي كل مهتد . ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازيا على السيئات والحسنات ، ذكر دليلا آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى : أَ فَلَمْ يَرَوْا أي : ينظروا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي : أمامهم وَما خَلْفَهُمْ وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية ، ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس ،