الخطيب الشربيني
347
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فائدة : السور المفتتحة بالحمد خمس : سورتان في النصف الأول وهما الأنعام والكهف ، وسورتان في النصف الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة ، والخامسة هي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الثاني الأخير ، والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء ، فإن الله تعالى خلقنا أولا برحمته ، وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما ندوم به فلنا حالتان : الإبداء ، والإعادة ، وفي كل حالة له تعالى نعمتان : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء ، فقال في النصف الأول : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ، ويدل عليه قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [ الأنعام : 2 ] فأشار إلى الإيجاد الأول ، وقال في السورة الثانية : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [ الكهف : 1 ] فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء ، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع تنقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل والنفاق وقال ههنا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى وَلَهُ أي : وحده الْحَمْدُ أي : الإحاطة بالكمال فِي الْآخِرَةِ أي : ظاهر الكل من يجمعه الحشر وله كل ما فيها لا يدعي أحد ذلك في شيء منه ظاهرا ولا باطنا وقال في سورة الملائكة : الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ فاطر : 1 ] إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [ فاطر : 1 ] أي : يوم القيامة يرسلهم الله تعالى مسلمين على المسلمين كما قال تعالى : وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [ الأنبياء : 103 ] وقال تعالى عنهم : سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزمر : 73 ] وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر نعمتين أشار بقوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] إلى النعمة العاجلة ، وأشار بقوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] إلى النعمة الآجلة فرتب الافتتاح والاختتام عليهما . فإن قيل : قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلم ذكر الله تعالى السماوات والأرض ؟ أجيب : بأن نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله تعالى النعم المرئية وهي ما في السماوات وما في الأرض . ثم قال : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ليقابل نعم الآخرة بنعم الدنيا ، ويعلم فضلها بدوامها وقيل : الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : 34 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ [ الزمر : 74 ] وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحا ، والشكر كذلك في أول الفاتحة فتح الله علينا بكل خير وفعل ذلك بأحبابنا . ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال تعالى : وَهُوَ الْحَكِيمُ أي : الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها ، والحكمة هي العلم بالأمور على وجه الصواب متصلا بالعمل على وفقه الْخَبِيرُ أي : البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالا ومآلا . ثم بين كمال خبره بقوله تعالى : يَعْلَمُ ما يَلِجُ أي : يدخل فِي الْأَرْضِ أي : هذا الجنس من المياه والأموال والأموات وغيرها وَما يَخْرُجُ مِنْها من المياه والمعادن والنبات وغيرها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أي : من هذا الجنس من قرآن وملائكة وماء وحرارة وبرودة وغير ذلك وَما يَعْرُجُ فِيها من الكلام الطيب قال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فاطر : 10 ] والملائكة