الخطيب الشربيني
340
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
يعرف الحرائر فيعود الأمر كما كان . ولما كان المؤذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم حذرهم بقوله تعالى مؤكدا دفعا لظنهم دوام الحلم عليهم : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عن الأذى الْمُنافِقُونَ أي : الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي : غل مقرب من النفاق حامل على المعاصي وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ المؤمنين أي : بالكذب وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يذيعون في الناس أنهم قد قتلوا أو هزموا ويقولون : قد أتاكم العدو ونحو ذلك ، وأصل الرجفة : التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمى به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أي : لنسلطنك عليهم بالقتل والجلاء ، أو بما يضطرهم إلى طلب الجلاء وقوله تعالى : ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ أي : يساكنونك فِيها أي : المدينة عطف على لنغرينك وثم للدلالة على أن الجلاء ومفارقة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أعظم ما يصيبهم إِلَّا قَلِيلًا أي : زمانا أو جوارا قليلا ، ثم يخرجون منها وقيل : نسلطك عليهم حتى تقتلهم وتخلى منهم المدينة . وقوله تعالى : مَلْعُونِينَ أي : مبعودين عن الرحمة حال من فاعل يجاورونك قاله ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء أَيْنَ ما ثُقِفُوا أي : وجدوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا ثم أكده بالمصدر بغضا فيهم وإرهابا لهم بقوله تعالى : تَقْتِيلًا أي : الحكم فيهم هذا على وجه الأمر به . وقوله تعالى : سُنَّةَ اللَّهِ أي : المحيط بجميع العظمة مصدر مؤكد أي : سن الله ذلك فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي : في الأمم الماضية وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ أي : طريقة الملك الأعظم تَبْدِيلًا أي : ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ ، فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ . ولما بين تعالى حالهم في الدنيا أنهم ملعونون ومهانون ويقتلون أراد أن يبين حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها بقوله : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 63 إلى 73 ] يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ( 64 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 65 ) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ( 66 ) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ( 67 ) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ( 68 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ( 69 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ( 71 ) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( 72 ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 ) . يَسْئَلُكَ يا أشرف الخلق النَّاسُ أي : المشركون استهزاء منهم وتعنتا وامتحانا عَنِ السَّاعَةِ أي متى تكون في أي : وقت قُلْ أي : لهم في جوابهم إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ الذي أحاط علمه بجميع الأشياء وَما يُدْرِيكَ أي : أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أنت