الخطيب الشربيني

333

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فنزلت الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ « 1 » الآية . وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس قال : « بعثتني أم سليم برطب إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا ، وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش قال : فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون فهنينه وهناه الناس فقالوا : الحمد لله أقر بعينك يا رسول الله فمضى حتى أتى عائشة فإذا عندها رجال قال : فكره ذلك ، وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه قال : فأتيت أم سليم فأخبرتها فقال أبو طلحة : لئن كان كما قال ابنك ليحدثن أمر قال : فلما كان من العشي خرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فصعد المنبر ثم تلا هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا « 2 » الآية . وروى البخاري وغيره عنه قال : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم عروسا بزينب فقالت لي أم سليم : لو أهديت للنبي صلّى اللّه عليه وسلم هدية فقلت لها : افعلي فعمدت إلى تمر وأقط وسمن فاتخذت حيسة في برمة وأرسلت بها معي إليه فقال لي : ضعها ثم أمرني فقال : ادع لي رجالا سماهم ، وادع لي من لقيت ففعلت الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاص بأهله » « 3 » وفي رواية الترمذي أن الراوي قال : قلت لأنس : كم كانوا قال : زهاء ثلاثمائة فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله تعالى ، ثم يدعو عشرة عشرة يأكلون منه ويقول لهم : اذكروا اسم الله تعالى وليأكل كل رجل مما يليه حتى تصدّعوا كلهم عنها ، قال الترمذي : فقال لي : يا أنس ارفع فرفعت فما أدري حين وضعت كانت أكثر أو حين رفعت فخرج معي من خرج وبقي قوم يتحدثون فنزلت . ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة أعاد الضمير عليه مرادا به النساء استخداما فقال تعالى : وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ أي : الأزواج مَتاعاً أي : شيئا من آلات البيت فَسْئَلُوهُنَّ أي : ذلك المتاع كائنين وكائنات مِنْ وَراءِ حِجابٍ أي : ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم ، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ذلِكُمْ أي : الأمر العالي الرتبة أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ أي : من وسواس الشيطان والريب لأن العين وزيرة القلب فإذا لم تر العين لم يشته القلب ، فأما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي ، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر . روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة : « أن أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : احجب نساءك فلم يكن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يفعل ، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله عز وجل الحجاب » « 4 » ، وعن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاثة قلت : يا رسول الله لو اتخذت من

--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره ، تفسير الآية 53 من سورة الأحزاب . ( 2 ) أخرجه أبو يعلى في مسنده 6 / 339 . ( 3 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 64 ، وأبو داود في الأدب باب 95 ، وأحمد في المسند 3 / 429 ، 5 / 426 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الوضوء حديث 147 ، ومسلم في السلام حديث 2170 .