الخطيب الشربيني
331
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين ، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة والركبة ، واحتج لذلك بقوله صلّى اللّه عليه وسلم للمغيرة وقد خطب امرأة : « انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أن تدوم المودة والإلفة » « 1 » رواه الحاكم وصححه . وقوله تعالى : إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ استثناء من النساء ؛ لأنه يتناول الأزواج والإماء أي : فتحل لك ، وقد ملك بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات ، واختلفوا هل أبيح له النساء من بعد ؟ قالت عائشة : « ما مات رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم حتى أحل الله له النساء » « 2 » أي : فنسخ ذلك ، وأبيح له أن ينكح أكثر منهن بآية إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ، فإن قيل : هذه الآية متقدمة وشرط الناسخ أن يكون متأخرا ؟ أجيب : بأنها مؤخرة في النزول مقدمة في التلاوة ، وهذا أصح الأقوال . وقال أنس : مات على التحريم ، وقال عكرمة والضحاك : معنى الآية لا تحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها ، وقيل لأبي بن كعب : لو مات نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم أكان يحل له أن يتزوج فقال : وما يمنعه من ذلك ! قيل : قوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال : إنما أحل الله تعالى له ضربا من النساء فقال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [ الأحزاب : 50 ] ثم قال لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال أبو صالح : أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة ، والخال والخالة إن شاء ثلاثمائة وقال مجاهد : معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن ، يقول : ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى . وقال ابن زيد في قوله تعالى : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يقول الرجل للرجل : بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله تعالى : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ يعني : تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلا ما ملكت يمينك فلا بأس أن تبادل بجاريتك من شئت ، فأما الحرائر فلا . روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال : دخل عيينة بن حصن على النبي صلّى اللّه عليه وسلم بغير إذن ومعه عائشة فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يا عيينة أين الاستئذان قال : يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر مذ أدركت ، ثم قال : من هذه الحميرة إلى جنبك فقال : هذه عائشة أم المؤمنين ، فقال عيينة : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : إن الله قد حرم ذلك ، فلما خرج قالت عائشة : من هذا يا رسول الله ؟ قال : هذا أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه » « 3 » . ولما أمر تعالى في هذه الآيات بأشياء ونهى عن أشياء ، وحد حدودا حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل بقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ أي : الذي لا شيء أعظم منه وهو المحيط بجميع صفات الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً أي : حافظا عالما بكل شيء قادرا عليه فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم وهذا من أشد الأشياء وعيدا . ولما ذكر حالة النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع أمته في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً [ الأحزاب :
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في النكاح حديث 1087 ، والنسائي في النكاح حديث 3235 ، وابن ماجة في النكاح حديث 1865 ، والحاكم في المستدرك 2 / 156 . ( 2 ) أخرجه الترمذي حديث 3216 . ( 3 ) أخرجه الدارقطني في سننه 3 / 218 .