الخطيب الشربيني

329

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ولما ذكر تعالى ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن وكان صلّى اللّه عليه وسلم أعدل الناس فيهما وأشدهم لله خشية ، وكان يعدل بينهن ويعتذر مع ذلك عن ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله : « اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك » « 1 » خفف عنه سبحانه وتعالى بقوله : تُرْجِي أي : تؤخر وتترك مصاحبتها مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي أي : تضم إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وتضاجعها ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بياء ساكنة بعد الجيم من الإرجاء أي : تؤخرها مع أفعال تكون بها راجية لعطفك ، والباقون بهمزة مضمومة وهو مطلق التأخير وَمَنِ ابْتَغَيْتَ أي : طلبت مِمَّنْ عَزَلْتَ أي : من القسمة فَلا جُناحَ عَلَيْكَ أي : في وطئها وضمها إليك . تنبيه : اختلف المفسرون في معنى هذه الآية : فأشهر الأقوال أنها في القسم بينهن ، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه ، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن . وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة في النفقة فهجرهن النبي صلّى اللّه عليه وسلم شهرا حتى نزلت آية التخيير ، فأمره الله عز وجل أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين ، وأن لا ينكحن أبدا ، وعلى أن يؤوي إليه من يشاء ويرجي من يشاء فيرضين ، قسم لهن أو لم يقسم قسم ، لبعضهن دون بعض ، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء ، وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط ، وذلك ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع . والرجل وإن لم يكن نبيا فالزوجة في ملك نكاحه ، والنكاح عليها رق ، فكيف زوجات النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالنسبة إليه ، فإذا هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات . واختلفوا هل أخرج أحدا منهن عن القسم ؟ فقال بعضهم : لم يخرج أحدا منهن عن القسم بل : « كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مع ما جعل الله له من ذلك يسوى بينهن في القسم ، إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم ، وجعلت يومها لعائشة » « 2 » وقيل : أخرج بعضهن . روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال : لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن يا رسول الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت هذه الآية فأرجأ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بعضهن ، وآوى إليه بعضهن ، فكان ممن أوى : عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة ، وكان يقسم بينهن سواء ، وأرجأ منهن خمسا : أم حبيبة وميمونة وسودة وصفية وجويرية ، فكان لا يقسم لهن ما شاء ، وقال مجاهد : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي : تعزل من تشاء منهن بغير طلاق ، وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد ، وقال ابن عباس : تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء . وقال الحسن : تترك نكاح من شئت من نساء أمتك . قال : وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . وقيل : تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في النكاح حديث 2134 ، والترمذي في النكاح حديث 1140 ، والنسائي في عشرة النساء حديث 3943 ، وابن ماجة في النكاح حديث 1971 ، وأحمد في المسند 6 / 144 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الرضاع حديث 1463 .