الخطيب الشربيني
308
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس ، فإن التاجر يسترزق من السوقة ، والعاملون والصناع من المستعملين ، والملوك من الرعية والرعية منهم ، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه إنما هو مسخر للغير يكتسبه ويرسله إلى الأعيان ، وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق ، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق . انتهى . ولما ذكر تعالى أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثلا أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء قال تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ قال البغوي : ولم يقل كواحدة لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، والمعنى : لستن كجماعة واحدة مِنَ جماعات النِّساءِ إذا تقصيت جماعة النساء واحدة واحدة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة . ومنه قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [ النساء : 152 ] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين وقوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] وقوله تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ الحاقة : 47 ] والحمل على الأفراد بأن يقال : ليست كل واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء صحيح بل أولى ليلزم تفضيل الجماعة ، بخلاف الحمل على الجمع ، وعن ابن عباس معنى لستن كأحد من النساء : يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات ، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي . ولما كان المعنى بل أنتن أعلى النساء ذكر شرط ذلك بقوله تعالى : إِنِ اتَّقَيْتُنَّ الله تعالى أي : جعلتن بينكن وبين غضب الله تعالى وغضب رسوله صلّى اللّه عليه وسلم وقاية ، ثم سبب عن هذا النهي قوله تعالى : فَلا تَخْضَعْنَ أي : إذا تكلمتن بحضرة أجنبي بِالْقَوْلِ أي : بأن يكون لينا عذبا رخما ، والخضوع التطامن والتواضع واللين ، ثم سبب عن الخضوع قوله تعالى : فَيَطْمَعَ أي : في الخيانة الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي : فساد وريبة من فسق ونفاق أو نحو ذلك ، وعن زيد بن علي قال : المرض مرضان : مرض زنا ، ومرض نفاق ، وعن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى : فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ قال : الفجور والزنا قال : وهل تعرف العرب ذلك قال : نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول « 1 » : حافظ للفرج راض بالتقى * ليس ممن قلبه فيه مرض والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة ؛ لأن اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه ، وأريد من نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم التكلف للإتيان بهذه بل المرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع . ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخاوة الصوت أمرهن بضده بقوله تعالى : وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي : يعرف أنه بعيد عن محلّ الطمع من ذكر الله وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع . ولما أمرهن بالقول وقدمه لعمومه أتبعه الفعل بقوله تعالى : وَقَرْنَ أي : اسكن وامكثن
--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .