الخطيب الشربيني
305
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الآخرة ، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وتابعنها على ذلك قال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [ الأحزاب : 52 ] . وعن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم ، فأذن لأبي بكر فدخل ، ثم أقبل عمر ثم استأذن فأذن له ، فوجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا قال : فقال لأقولن شيئا أضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقال « هن حولي كما ترى يسألنني النفقة » ، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها ، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول : لا تسألن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده ، ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين يوما ، ثم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [ الأحزاب : 28 ] حتى بلغ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ الأحزاب : 29 ] . قال : فبدأ بعائشة فقال : يا عائشة إني أعرض عليك أمرا لا أحب أن تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت : وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت : أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال : لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتا ، ولكن بعثني معلما ميسرا « 1 » . قوله « واجما » أي : مهتما والواجم : الذي أسكته الهم ، وعلته الكآبة وقيل : الوجوم الحزن ، وقوله : فوجأت عنقها أي : دققته ، وقوله : لم يبعثني معنتا العنت : المشقة والصعوبة ، وروى الزهري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا ، قال الزهري : فأخبرني عروة عن عائشة قالت : فلما مضت تسع وعشرون أعدهن دخل عليّ فقلت : يا رسول الله إنه مضى تسع وعشرون أعدهن فقال : « إن الشهر تسع وعشرون » « 2 » . تنبيه : اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويضا للطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أو لا ، ذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم : إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق ، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى : فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة : لا تعجلي حتى تستشيري أبويك ، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور ، وذهب آخرون : إلى أنه كان تفويض طلاق ، ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا . واختلف العلماء في حكم التخيير : فقال عمر وابن مسعود وابن عباس : إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء ، ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي ، إلا أن عند أصحاب الرأي : أنه يقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الطلاق حديث 1478 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصيام حديث 1083 ، والطلاق حديث 1478 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3318 .