الخطيب الشربيني
302
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لتحدث النساء والأبناء قالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم ، قال : فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت فعسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا ، فانزلوا لعلنا أن نصيب منهم غرة قالوا : نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا فتركهم . قال علماء السير : وحاصرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : تنزلون على حكمي ؟ فأبوا وكانوا قد طلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس يستشيرونه في أمرهم ، فأرسله رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم فقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم وأشار بيده إلى حلقه يعني أنه يقتلكم قال أبو لبابة : فوالله ما زالت قدماي حتى قد عرفت أني خنت الله ورسوله ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال : لا أبرح من مكاني حتى يتوب الله تعالى علي مما صنعت ، وعاهد الله تعالى لا يطأ بني قريظة أبدا ولا يراني الله تعالى في بلد خنت فيه الله ورسوله . فلما بلغ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم خبره وأبطأ عليه قال : أما لو جاءني لاستغفرت له ، فأما إذ فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه فقال لهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : تنزلون على حكم سعد بن معاذ فرضوا به فقال سعد : حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم ، فكبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقال : « لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة » « 1 » ، ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقا وقدمهم فضرب أعناقهم من ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير وَقَذَفَ أي : الله تعالى فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي كما قال الله تعالى : فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وهم الرجال يقال : كانوا ستمائة وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وهم النساء والذراري يقال : كانوا سبعمائة وخمسين ، ويقال : تسعمائة . فإن قيل : ما فائدة تقديم المفعول في الأول حيث قال تعالى : فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وتأخيره في الثاني حيث قال : وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً أجيب : بأن الرازي قال : ما من شيء من القرآن إلا وله فائدة ، منها ما يظهر ومنها ما لا يظهر ، والذي يظهر من هذا والله أعلم ؛ أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب ، والرجال كانوا مشهورين ، وكان القتل واردا عليهم ، وكان الأسراء هم النساء والذراري ولم يكونوا مشهورين ، والسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما اشتهر على الفعل القائم به ، ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي انتهى . وقرأ ابن عامر والكسائي الرعب بضم العين والباقون بسكونها . ولما ذكر الناطق بقسميه ذكر الصامت بقوله تعالى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ من الحدائق والمزارع وَدِيارَهُمْ أي : حصونهم لأنه يحامى عليها ما لا يحامى على غيرها وَأَمْوالَهُمْ من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها ، فقسم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم » « 2 » ، كما للراجل ممن ليس له فرس سهم . وأخرج منها الخمس وكانت
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد حديث 3043 ، ومسلم في الجهاد حديث 1768 ، وأحمد في المسند 3 / 22 ، 6 / 142 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في السير حديث 1554 ، وابن ماجة في الجهاد حديث 2854 .