الخطيب الشربيني

298

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الْمُؤْمِنُونَ أي : الكاملون في الإيمان الْأَحْزابَ أي : الذين أدهشت رؤيتهم القلوب قالُوا أي : مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأهوال هذا أي : الذي نراه من الهول ما وَعَدَنَا اللَّهُ أي : الذي له الأمر كله من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان وَرَسُولُهُ المبلغ بنحو قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 214 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [ آل عمران : 142 ] أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 2 ] وأمثال ذلك . ثم قالوا في مقابلة قول المنافقين : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وَصَدَقَ اللَّهُ أي : الذي له صفات الكمال وَرَسُولُهُ أي : الذي كماله من كماله أي : ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء كما رأينا ، وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره ، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما . قال بعض المفسرين : ولو أعيدا مضمرين لجمع بين الباري تعالى واسم رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فكان يقال : وصدقا ، وقد رد صلّى اللّه عليه وسلم على من جمعهما بقوله : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى ، وأنكر عليه بقوله : بئس خطيب القوم أنت . قل : ومن يعص الله ورسوله قصدا إلى تعظيم الله تعالى . وقيل : إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما ، واستشكل بعضهم الأول بقوله : « حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما » « 1 » فقد جمع بينهما في ضمير واحد ؟ وأجيب : بأنه صلّى اللّه عليه وسلم أعرف بقدر الله تعالى منا فليس لنا أن نقول كما يقول وقد يقال : إذا كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول ذلك فالله جل وعلا أولى ، وحينئذ فالقائل بأنه إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما أولى . ولما كان هذا قولا يمكن أن يكون لسانيا فقط كقول المنافقين أكده لظن المنافقين ذلك بقوله تعالى : شاهدا لهم وَما زادَهُمْ أي : ما رأوه من أمرهم أو الرعب إِلَّا إِيماناً بالله ورسوله وَتَسْلِيماً بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر . ثم وصف الله تعالى بعض المؤمنين بقوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي : المذكورين سابقا وغيرهم رِجالٌ أي : في غاية العظمة عندنا ثم وصفهم بقوله تعالى : صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ المحيط علما وقدرة عَلَيْهِ أي : أقاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي : نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر . والنحب : النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان وقيل : النحب الموت أيضا . قال قتادة : قضى نحبه أي : أجله . وقيل : قضى نحبه أي : بذل جهده في الوفاء بالعهد من قول العرب نحب فلان في سيره يومه وليلته أي : اجتهد ، وقيل قضى نحبه قتل يوم بدر أو يوم أحد . روي أن أنسا قال : « غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين ، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع ، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ، ثم تقدم واستقبله سعد بن معاذ فقال : يا أبا عمرو إلى أين فقال : واها لريح الجنة أجدها دون أحد ، فقاتل حتى قتل . قال أنس بن مالك : فوجدنا في جسده بضعا وثمانين

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 16 ، ومسلم في الإيمان حديث 43 ، والترمذي في الإيمان حديث 2624 ، والنسائي في الإيمان حديث 4987 .