الخطيب الشربيني

285

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

شفاعته صلّى اللّه عليه وسلم لا ترد ، وقد ورد إن نفس المؤمن محبوسة عن مقامها الكريم ما لم يوف دينه ، وهو محمول على من قصر في وفائه في حال حياته ، أما من لم يقصر لفقره مثلا فلا ، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج في باب الرهن . وإنما كان صلّى اللّه عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرد بهم ، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل أعظم بهذا السبب الرباني فأي : حاجة إلى السبب الجسماني وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي : المؤمنين أي : مثلهن في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن إكراما له صلّى اللّه عليه وسلم لا في حكم الخلوة والنظر والظهار والمسافرة والنفقة والميراث ، وهو صلّى اللّه عليه وسلم أب للرجال والنساء ، وأما قوله تعالى : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [ الأحزاب ، 40 ] فمعناه ليس أحد من رجالكم ولد صلبه وسيأتي ذلك ويحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب ، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى في محله . وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بغلام وهو يقرأ في المصحف « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم » فقال : يا غلام حكتها فقال : هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق ، ومعنى ذلك : أن هذا كان يقرأ أولا ، ونسخ لما روي عن عكرمة أنه قال : كان في الحرف الأول النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أبوهم ، وعن الحسن قال في القراءة الأولى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وقوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ أي : القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها بَعْضُهُمْ أَوْلى بحق القرابة بِبَعْضٍ أي : في التوارث ، ثم نسخ لما كان في صدر الإسلام فإنهم كانوا فيه يتوارثون بالحلف والنصر فيقول : ذمتي ذمتك ترثني وأرثك ، ثم نسخ بالإسلام والهجرة ، ثم نسخ بآية المواريث وبالآية التي في آخر الأنفال وأعادها تأكيدا ، فإن آية المواريث مقدمة ترتيبا ونزولا على آية الأنفال ، وآية الأنفال على هذه كذلك وقوله تعالى : فِي كِتابِ اللَّهِ يحتمل أن ذلك في اللوح المحفوظ أو فيما أنزل وهو هذه الآيات المذكورة أو فيما فرض الله . ولما بين أنهم أولى لسبب القرابة بين المفضل عليه بقوله تعالى : مِنْ أي : هم أولى بسبب القرابة من الْمُؤْمِنِينَ الأنصار من غير قرابة مرجحة وَالْمُهاجِرِينَ أي : ومن المهاجرين المؤمنين من غير قرابة كذلك وقوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا استثناء منقطع كما جرى عليه الجلال المحلي أي : لكن أن تفعلوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً بوصية فجائز ، ويجوز أن يكون استثناء من أعم العام كما قاله الزمخشري في معنى النفع والإحسان كما تقول : القريب أولى من الأجنبي إلا في الوصية ، تريد أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية ، والمراد بفعل المعروف التوصية لأنه لا وصية لوارث وعدّى تفعلوا بإلى ؛ لأنه في معنى تسدوا . والمراد بالأولياء : المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين كانَ ذلِكَ أي : ما ذكر من آيتي ادْعُوهُمْ النَّبِيُّ أَوْلى وقيل : أول ما نسخ من الآيات الإرث بالإيمان والهجرة ثابتا فِي الْكِتابِ أي : اللوح المحفوظ والقرآن مَسْطُوراً قال الأصبهاني : وقيل في التوراة قال البقاعي : لأن في التوراة إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه ، وميراثه لذوي قرابته ، فالآية من الاحتباك ، أثبت وصف الإيمان أولا دليلا على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثانيا