الخطيب الشربيني

283

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

حرام كبطن أمي فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج ؛ لأنه عمود البطن ، ومنه حديث عمر : يجيء به أحدهم على عمود بطنه أراد على ظهره ، ووجه آخر : وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرما عندهم محظورا ، وكان أهل المدينة يقولون : إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول ، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر ، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله كظهر أمه ، وهو منكر وزور وفيه كفارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة . وقرأ ابن عامر والكوفيون اللائي بالهمزة المكسورة والياء بعدها في الوصل ، وسهل الياء كالهمزة ورش ، والبزي وأبو عمرو مع المد والقصر ، وعن أبي عمرو والبزي أيضا إبدالها ياء ساكنة مع المد لا غير ، وقالون وقنبل بالهمزة ولا ياء بعدها ، وقرأ تظهرون عاصم بضم التاء ، وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء مخففة ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والظاء مخففتين وألف بعد الظاء وفتح الهاء مخففة ، وابن عامر كذلك إلا أنه يشدد الظاء ، والباقون بفتح التاء والظاء والهاء مع تشديد الظاء والهاء ولا ألف بعد الظاء وقوله تعالى : ذلِكُمْ إشارة إلى كل ما ذكر وإلى الأخير قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي : مجرد قول لسان من غير حقيقة كالهذيان وَاللَّهُ أي : المحيط علما وقدرة وله جميع صفات الكمال يَقُولُ الْحَقَّ أي : ماله حقيقة الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه فلا قدرة لأحد على نقضه ، فإن أخبر عن شيء فهو كما قال : وَهُوَ أي : وحده يَهْدِي السَّبِيلَ أي : يرشد إلى سبيل الحق . ولما كان كأنه قيل فما تقول ؟ اهدنا إلى سبيل الحق قال تعالى : ادْعُوهُمْ أي : الأدعياء لِآبائِهِمْ أي : الذين ولدوهم إن علموا ولذا قال زيد بن حارثة : قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من دعي إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام » « 1 » وأخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص ، ثم علل تعالى ذلك بقوله تعالى : هُوَ أي : هذا الدعاء أَقْسَطُ أي : أقرب إلى العدل من التبني ، وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبنّى والإحسان إليه عِنْدَ اللَّهِ أي : الجامع لصفات الكمال ، وعن ابن عمران زيد بن حارثة مولى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ما كنا ندعوه إلا زيد ابن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية وقيل : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه ، وكان ينسب إليه فيقال : فلان ابن فلان ، أما إذا جهلوا فهو ما ذكر بقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ لجهل أصلي أو طارئ فَإِخْوانُكُمْ أي : فهم إخوانكم فِي الدِّينِ إن كانوا دخلوا في دينكم أي : قولوا لهم إخواننا وَمَوالِيكُمْ إن كانوا محررين أي : قولوا موالي فلان ، وعن مقاتل إن لم تعلموا لهم أبا فانسبوهم إخوانكم في الدين أي : أن تقول : عبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله وأشباههم من الأسماء ، وأن يدعى إلى اسم مولاه وقيل : مواليكم أولياؤكم في الدين . ولما كان عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ ، وساقه على وجه يعمم ما بعد النهي أيضا بقوله تعالى : وَلَيْسَ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 4327 ، ومسلم في الإيمان حديث 63 ، وابن ماجة في الحدود حديث 2610 .