الخطيب الشربيني

277

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أَ وَلَمْ أي : أيقولون في إنكار البعث أئذا ضللنا في الأرض ولم يَرَوْا أَنَّا بما لنا من العظمة نَسُوقُ الْماءَ أي : من السماء أو الأرض إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أي : التي جرز نباتها أي : قطع باليبس والتهشم أو بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبات فيها ، وفي البخاري عن ابن عباس أنها التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا ، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ويدل عليه قوله تعالى فَنُخْرِجُ بِهِ من أعمال الأرض بذلك الماء زَرْعاً أي : نبتا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب ، وقيل الجرز : اسم موضع باليمن تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ أي : من حبه وورقه وتبنه وحشيشه وَأَنْفُسُهُمْ أي : من الحبوب والأقوات ، وقدّم الأنعام لوقوع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ولأن الزرع غذاء للدواب لا بد منه ، وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان فكان الحيوان يأكل الزرع ، ثم الإنسان يأكل من الحيوان . فإن قيل : في سورة عبس قدم ما للإنسان أولا فما الحكمة ؟ أجيب : بأن السياق فيها لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ [ عبس : 24 ] ثم قال : فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا [ عبس : 27 ] وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام فقدمه ، وهذا السياق لمطلق إخراج الزرع ، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام ولا يصلح للإنسان . ولما كانت هذه الآية مبصرة قال أَ فَلا يُبْصِرُونَ هذا فيعلموا أنا نقدر على إعادتهم بخلاف الآية الماضية فإنها كانت مسموعة فقال : أَ فَلا يَسْمَعُونَ . ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى : وَيَقُولُونَ أي : مع هذا البيان الذي ليس معه خفاء مَتى هذَا الْفَتْحُ أي : يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ويوم نصرهم عليهم وقيل : هو يوم بدر ، وعن مجاهد والحسن يوم فتح مكة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي : عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لا بد من وقوعه حتى نؤمن إذا رأيناه ، قال الله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : قُلْ أي : لهؤلاء الجهلة يَوْمَ الْفَتْحِ أي : الذي تستهزئون به وهو يوم القيامة لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها ، سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف إِيمانُهُمْ لأنه ليس إيمانا بالغيب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي : يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منتظر ما ، فإن قيل : قد سألوا عن وقت الفتح فكيف ينطبق هذا الكلام جوابا عن سؤالهم ؟ أجيب : بأنه كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه التكذيب والاستهزاء ، فأجيبوا على حسب ما علم من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم : لا تستعجلوا بعد ولا تستهزؤا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان ، واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا . فإن قيل : فمن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر كيف يستقيم على تفسيره أن لا ينفعهم الإيمان وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر ، أجيب : بأن المراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه حال إدراك الغرق . وقوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي : لا تبال بتكذيبهم وَانْتَظِرْ أي : إنزال العذاب بهم إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي : بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك ، كان ذلك قبل الأمر بقتالهم وقيل : انتظر عذابهم بيقينك إنهم منتظرونه بلفظهم استهزاء كما قالوا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [ الأعراف : 70 ] وعن أبي هريرة قال : « كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل في الركعة