الخطيب الشربيني
272
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
خمس عشر ميلا وطوله في السماء سبعون ميلا ، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل عليه في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت ولا يراهم من في هذا البيت ، فإذا خرج من قصره سار في ملكه مثل عمر الدنيا يسير في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه ، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره ومن بين يديه ملائكة قد سخروا له وبين أزواجه ستر ، وبين يديه ستر ووصاف ووصائف قد أفهموا ما يشتهي وما تشتهي أزواجه ، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدّامه أبدا ، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلى الأول ، وقرة عين لا تنقطع أبدا ، لا يدخل عليه فيه روعة أبدا . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده لو أن أحد أهل الجنة رجل أضاف آدم فمن دونه فوضع لهم طعاما وشرابا حتى خرجوا من عنده لا ينقصه ذلك شيئا مما أعطاه الله » « 1 » وعن سهل بن سعد قال : « بينما نحن عند رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى ثم قال : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ « 2 » الآيتين قال القرطبي : إنهم أخفوا عملا وأخفى لهم ثوابا فقدموا على الله فقرت تلك الأعين ، وعن أبي اليمان قال : الجنة مائة درجة أولها درجة فضة وأرضها فضة ومساكنها فضة وآنيتها فضة وترابها المسك ، والثانية ذهب وأرضها ذهب ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها المسك ، والثالثة لؤلؤ وأرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها المسك وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وتلا هذه الآية فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ الآية . وعن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن موسى عليه السّلام سأل ربه فقال : أي : رب ، أي : أهل الجنة أدنى منزلة ؟ فقال : رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له : ادخل فيقول كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا فيقول : نعم أي : رب قد رضيت فيقال له : فإن لك هذا وعشرة أمثاله معه فيقول : قد رضيت أي رب فيقال له : فإن لك هذا وما اشتهت نفسك ولذت عينك فقال موسى : أي : رب فأي أهل الجنة أرفع منزلة ؟ قال : إياها أردت وسأحدثك عنهم ، إني غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال : ومصداق ذلك في كتاب الله فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ . ونزل في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه حين تنازعا فقال الوليد بن عقبة لعلي : اسكت فإنك صبي وأنا شيخ وأنا والله أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا وأشجع جنانا وأملأ منك حشوا في الكتيبة ، فقال له علي اسكت فإنك فاسق . أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً أي : راسخا في التصديق بجميع ما أخبرت به الرسل كَمَنْ كانَ فاسِقاً أي : راسخا في الفسق خارجا عن دائرة الإذعان وقال تعالى لا يَسْتَوُونَ ولم يقل تعالى لا يستويان ؛ لأنه لم يرد مؤمنا واحدا ولا فاسقا واحدا بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلا
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 172 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2825 .