الخطيب الشربيني

268

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فيها هُداها فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها جواب عن قولهم رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا وذلك أن الله تعالى قال : إني لو أردت منكم الإيمان لهديتكم في الدنيا . ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت ولا شئت إيمانكم فلا أردكم ، وهذا صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا : إن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر وَلكِنْ لم أشأ ذلك لأنه حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي وأنا من لا يخلف الميعاد ؛ لأن الإخلاف إما العجز أو نسيان أو حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي ولا يحل بساحتي ، وأكد لأجل إنكارهم فقال مقسما : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ أي : التي هي محل إهانتي مِنَ الْجِنَّةِ أي : الجن طائفة إبليس ، وكأنه تعالى أنثهم تحقيرا لهم عند من يستعظم أمرهم وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ حيث قلت لإبليس : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 85 ] فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختيارا ، وغيبت العاقبة عنهم ، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهرا والخلق في الحقيقة والمشيئة لي . ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص بهم عن عذابهم قال لهم الخزنة إذا دخلوا جهنم : فَذُوقُوا العذاب بِما أي : بسبب ما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ وحققه وبين ذلك بقوله تعالى : هذا أي : بترككم الإيمان به إِنَّا نَسِيناكُمْ أي : عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي لكم فتركناكم في العذاب وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي : المختص بأنه لا آخر له بِما أي : بسبب ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي : من الكفر والتكذيب وإنكار البعث . ولما ذكر تعالى علامة أهل الكفران ذكر علامة أهل الإيمان بقوله تعالى : إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا أي : الدالة على عظمتنا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها أي : من أي : مذكر كان في أي : وقت كان خَرُّوا سُجَّداً أي : بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد خضعا لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم خضوعا ثابتا دائما وَسَبَّحُوا أي : أوقعوا التسبيح به عن كل شائبة نقص متلبسين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي : قالوا سبحان الله وبحمده . وقيل : صلوا بأمر ربهم . ولما تضمن هذا تواضعهم صرح به في قوله تعالى وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ أي : عن الإيمان والطاعة كما يفعل من يصير مستكبرا ، وكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته في غير وقت الصلاة » « 1 » وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل إبليس يبكي يقول : يا ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار » « 2 » وهذه من عزائم سجود القرآن فتسن للقارئ والمستمع والسامع . ولما كان المتواضع ربما ينسب إلى الكسل نفى ذلك عنهم مبينا لما تضمنته الآية السالفة من خوفهم بقوله تعالى : تَتَجافى أي : ترتفع وتنبو جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ عبر به عن ترك النوم ، قال ابن رواحة « 3 » :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجمعة حديث 1076 ، ومسلم في المساجد حديث 575 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 81 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1052 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان عبد اللّه بن رواحة ص 93 .