الخطيب الشربيني
266
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فكأنه قال : أعطاكم السمع ثم أعطاكم ما هو أشرف منه وهو القلب ، وعند السلب قال : ليس لهم قلب يدركون به ولا ما هو دونه وهو السمع الذي يسمعون به ممن له قلب يفهم الحقائق ويستخرجها . ولما لم يبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال تعالى : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي : تشكرون شكرا قليلا ، فما مزيدة مؤكدة للقلة . وقوله تعالى : وَقالُوا معطوف على ما سبق منهم فإنهم قالوا : محمد ليس برسول ، والإله ليس بواحد ، والبعث ليس بممكن فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب ، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم ، وختم بالتعجب من كفرهم وكان استبعادهم للبعث الذي هو الثابت الأصل من أعظم كفرهم وهو قولهم أَ إِذا أي : انبعث إذا ضَلَلْنا أي : غبنا فِي الْأَرْضِ أي : صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميز منه ، وأصله من ضل الماء في اللبن إذا أذهب فيه ، وقولهم أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي : يجدد خلقنا استفهام إنكاري زيادة في الاستبعاد . فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها وهو التنزيل الذي لا ريب فيه ، وذكر الوحدانية ، وذكر دليلها وهو خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من طين . ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل ؟ أجيب : بأنه ذكر دليله أيضا وهو أن خلقة الإنسان ابتداء دليل على قدرته على الإعادة ، ولهذا استدل تعالى على إنكار الحشر بالخلق الأول ثم يعيده وهو أهون عليه وقوله تعالى : الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] وأيضا خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كما قال : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى [ يس : 80 ] وقرأ نافع والكسائي أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أنا الأول : بالاستفهام والثاني : بالخبر ، وقرأ ابن عامر الأول بالخبر الثاني بالاستفهام ، والباقون بالاستفهام فيهما ، ومذهب قالون وأبي عمرو في الاستفهام تسهيل الثانية وإدخال الألف بينها وبين همزة الاستفهام ، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال وهشام يسهل الثانية ويحققها مع الإدخال ، والباقون بتحقيقهما من غير إدخال . وقوله تعالى بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ أي : جاحدون إضراب عن الأول أي : ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانيا ، بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة ، حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب ، أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله ، فإنهم كرهوه فأنكروا المفضي إليه . ثم بين لهم ما يكون من الموت إلى العذاب بقوله تعالى : قُلْ أي : يا أفضل الخلق لهم يَتَوَفَّاكُمْ أي : يقبض أرواحكم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ أي : بقبض أرواحكم وهو عزرائيل عليه السّلام والتوفي : استيفاء العدد ، معناه : أن يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت ، روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة لليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة ، فهو يقبض أنفس الخلق من مشارق الأرض ومغاربها ، وله أعوان من ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب ، وقال مجاهد : جعلت الأرض مثل الطست يتناول منها حيث يشاء . وفي بعض الأخبار : أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فتنزع أعوانه روح