الخطيب الشربيني
264
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
السابعة ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام ، ثم قال : ما هذه تحتكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : أرض ، أتدرون ما تحتها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : أرض أخرى أتدرون كم بينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : مسيرة سبعمائة عام ، حتى عد سبع أرضين ثم قال : وأيم الله لو دليتم بحبل لهبط على علم الله وقدرته » « 1 » وروي : « مثل السماوات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة ، وإن فضل الكرسي على السماوات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة » « 2 » . وقوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] يدل على أن الكرسي محيط بالكل . وقيل : مقدار ألف سنة وخمسين ألف سنة كلها في القيامة ، ومعناه حينئذ : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج أي : يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا في يوم كان مقداره ذلك ، وذلك اليوم يتفاوت ، فهو على الكافر كخمسين ألف سنة ، وعلى المؤمن دون ذلك . بل جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كمثل صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا . وقيل : إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ؛ وذلك لأن من نفد أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة ، فقوله : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ يعني : يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة ، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه ؟ وعلى هذا فلا فرق بين هذا وبين قوله : مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ لأن ذلك إذا كان إشارة إلى دوام نفاذ الأمر فسواء يعبر بألف سنة أو بخمسين ألف سنة لا يتفاوت ، إلا أن المبالغة بالخمسين أكثر ، وسيأتي بيان فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى . ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق ، ثم عالم الأرواح والأمر بيّن أنه تعالى عالم بما كان وما يكون بقوله تعالى : ذلِكَ أي : الإله الواحد القهار ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي : ما غاب عن الخلق ، ومنه الذي تقدمت مفاتيحه وما حضر وظهر فيدبر أمرهما الْعَزِيزُ أي : الغالب على أمره الرَّحِيمُ على العباد في تدبيره ، وفيه إيماء بأنه تعالى يراعي المصالح تفضلا وإحسانا . ولما ذكر تعالى الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما ذكر الدليل عليها من الأنفس بقوله تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال ابن عباس : أتقنه وأحكمه ، فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] وقال مقاتل : علم كيف يخلق كل شيء من قول القائل : فلان يحسن كذا إذا كان يتقنه ، وقيل : خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض ، وقيل : معناه أحسن إلى كل خلقه . وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام فعلا ماضيا ، والجملة صفة للمضاف أو المضاف إليه ، والباقون بسكونها على أنه بدل من كل شيء بدل اشتمال والضمير عائد على كل شيء . ولما كان الحيوان أشرف الأجناس وكان الإنسان أشرفه خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره 28 / 99 ، والترمذي حديث 3298 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 85 ، و 7 / 120 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .