الخطيب الشربيني

247

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بِالْمَعْرُوفِ أي : كل من تقدر على أمره تهذيبا لغيرك وشفقة على نفسك لتخليص أبناء جنسك وَانْهَ أي : كل من قدرت على نهيه عَنِ الْمُنْكَرِ حبا لأخيك ما تحب لنفسك تحقيقا لنصيحتك وتكميلا لعبادتك ، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى « 1 » : ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإن انتهت عنه فأنت حكيم لأنه أمره أولا بالمعروف وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر ، فإذا أمر نفسه ونهاها ناسب أن يأمر غيره وينهاه ، وهذا وإن كان من قول لقمان إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به ، فإن قيل : كيف قدم في وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر أنه قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فقال : لا تشرك بالله ثم قال أقم الصلاة ؟ أجيب : بأنه كان يعلم أنّ ابنه معترف بوجود الإله فما أمره بهذا المعروف بل نهاه عن المنكر الذي ترتب على هذا المعروف ، وأمّا ابنه فأمره أمرا مطلقا والمعروف يقدم على المنكر . ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر قال له وَاصْبِرْ صبرا عظيما بحيث تكون مستعليا عَلى ما أي : الذي أَصابَكَ أي : في عبادتك وغيرها من الأمر بالمعروف وغيره سواء أكان بواسطة العباد أم لا كالمرض ، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنهما ملاك الاستعانة قال تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] وأخرج أحمد « 2 » عن هشام بن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة يعني حكمة لقمان عليه السّلام لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطايا . وقال : مكتوب في الحكمة أو في التوراة الرفق رأس الحكمة ، وقال : مكتوب في التوراة كما ترحمون ترحمون ، وقال : مكتوب في الحكمة كما تزرعون تحصدون ، وقال : مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك ، وقيل للقمان : أي الناس شر ؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا ، ومن حكمته أنه قال : أقصر عن اللجاجة ولا أنطق فيما لا يعنيني ولا أكون مضحاكا من غير عجب ولا مشاء لغير أرب ، ومنها من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزا ، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية ، ومنها أنه كان يقول ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن : الحليم عند الغضب ، والشجاع عند الحرب ، وأخوك عند حاجتك إليه . ولما كان ما أحكمه لولده عظيم الجدوى وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال نبه بذلك بقوله على سبيل الاستئناف أو التعليل إِنَّ ذلِكَ أي : الأمر العظيم الذي أوصيك به لا سيما الصبر على المصائب مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي : معزوماتها تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر أي : الأمور المقطوع بها المفروضة ، أو القاطعة الجازمة وبجزم فاعلها . ثم حذره عن الكبر معبرا عنه بلازمه لأن نفي الأعم نفي للأخص بقوله : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ أي : لا تمله متعمدا إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا عن الحالة القاصدة ، قال أبو عبيدة : وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوى منه عنقه ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم بغير ألف بعد الصاد وتشديد العين ، والباقون بألف بعد الصاد وتخفيف العين ، والرسم يحتملها فإنه رسم بغير ألف

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان أبي الأسود الدؤلي ص 403 . ( 2 ) انظر المسند لأحمد بن حنبل 4 / 427 ، 436 ، 445 .