الخطيب الشربيني

241

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ الأنبياء : 33 ] والفلك اسم لشيء مستدير بل الواجب أنّ السماوات سواء كانت مستديرة أو صفيحة مستقيمة هي مخلوقة لله تعالى باختيار لا بإيجاب وطبع . ولما ذكر تعالى العمد المقلة ذكر الأوتاد المقرّة بقوله تعالى : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ أي : التي أنتم عليها جبالا رَواسِيَ والعجب أنها من فوقها وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت تثبتها عن أَنْ تَمِيدَ أي : تتحرك بِكُمْ كما هو شأن ما على ظهر الماء وَبَثَّ أي : فرّق فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ . وقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا أي : بما لنا من القوّة مِنَ السَّماءِ ماءً فيه التفات عن الغيبة . ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات وكان من آثار الحكمة التابعة للعلم دل عليه بقوله تعالى : فَأَنْبَتْنا أي : بما لنا من العلوّ في الحكمة فِيها أي : الأرض بخلط الماء بترابها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي : صنف من النبات متشابه كَرِيمٍ بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور ، وفي هذا دليل على عزته التي هي كمال القدرة ، وحكمته التي هي كمال العلم مهد به قاعدة التوحيد وقرّرها بقوله تعالى : هذا أي : الذي تشاهدونه كله خَلْقُ اللَّهِ أي : الذي له جميع الكمال فلا كفء له ، فإن ادعيتم ذلك فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي : غيره ، بكتهم بأنّ هذه الأشياء العظيمة مما خلقه تعالى وأنشأه ، فأروني ما خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة . تنبيه : ما استفهام إنكار مبتدأ و ( ذا ) بمعنى الذي بصلته خبره ، وأروني معلق عن العمل ، وما بعده سدّ مسدّ المفعولين ، ثم أضرب عن تبكيتهم بقوله تعالى : بَلِ منبها على أنّ الجواب ليس لهم خلق هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى الظَّالِمُونَ أي : العريقون في الظلم تعميما وتنبيها على الوصف الذي أوجب لهم كونهم فِي ضَلالٍ عظيم جدّا محيط بهم مُبِينٍ أي : في غاية الوضوح وهو كونهم يضعون الأشياء في غير مواضعها لأنهم في مثل الظلام لا نور لهم لانحجاب شمس الأنوار عنهم بجبل الهوى فلا حكمة لهم . ثم إنه تعالى لما نفاها عنهم أثبتها لبعض أوليائه بقوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا بما لنا من العظمة والحكمة لُقْمانَ وهو عبد من عبيدنا المطيعين لنا الْحِكْمَةَ وهو العلم المؤيد بالعمل أو العمل المحكم بالعلم ، قال ابن قتيبة : لا يقال لشخص حكيم حتى يجتمع له الحكمة في القول والفعل . قال : ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيما حتى يكون عاملا بها ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي العقل والفهم والفطنة ، واختلف في نسبه وفي سبب حكمته فقيل : هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب عليه السّلام أو ابن خالته ، وقيل : كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السّلام وأخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السّلام فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال : ألا أكتفي إذا كفيت ، وقيل كان قاضيا في بني إسرائيل وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما ولم يكن نبيا . أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل أكان لقمان نبيا قال : لا لم يوح إليه وكان رجلا حكيما ، وعن ابن عباس : لقمان لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان راعيا أسود ورزقه الله تعالى العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في القرآن لتتمسكوا بوصيته ، وقال ابن المسيب : كان أسود من سودان مصر خياطا ، وقال مجاهد : كان عبدا أسود غليظ الشفتين مشقق القدمين ، وقيل كان نجارا ، وقيل كان راعيا ، وقيل كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة حطب ، وقال عكرمة والشعبي : كان نبيا ، وقيل خير بين النبوّة والحكمة ، فاختار الحكمة ، وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه إن كنت