الخطيب الشربيني

24

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان أو زائلا ومتسعا أو متقلصا فلو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة ، والأشياء تعرف بأضدادها . ثُمَّ قَبَضْناهُ أي : الظل إِلَيْنا أي : إلى الجهة التي أردنا لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها ، والقبض جمع المنبسط من الشيء ومعناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس ، فإذا طلعت قبض الله الظل قَبْضاً يَسِيراً أي : على مهل ، وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من المنافع ما لم يعد ولا يحصى ، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا ، وقيل : المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الظلال ، وقوله تعالى : يسيرا كقوله تعالى : حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [ ق ، 44 ] فإن قيل : ثم في هذين الموضعين كيف موقعها ؟ أجيب : بأن موقعها بيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت . ولما تضمنت هذه الآية الليل والنهار وهو النوع الثاني قال تعالى مصرحا بهما : وَهُوَ أي : ربك المحسن إليك وحده الَّذِي جَعَلَ دليلا على الحق وإظهارا للنعمة على الخلق لَكُمُ اللَّيْلَ أي : الذي تكامل به مد الظل لِباساً أي : ساترا للأشياء ، شبه ظلامه باللباس في ستره وَالنَّوْمَ سُباتاً أي : راحة للأبدان بقطع المشاغل ، وهو عبارة عن كونه موتا أصغر طاويا لما كان من الإحساس قاطعا لما كان من الشعور والتقلب فيه دلائل لأهل البصائر ، قال البغوي وغيره : وأصل السبت القطع ، وفي جعله تعالى لذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد ولا يحصى ، وكذا في قوله تعالى : وَجَعَلَ أي : وحده النَّهارَ نُشُوراً أي : منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره ، وفي ذلك إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذجان للموت والنشور . يحكى أن لقمان قال لابنه : يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر . ثم ذكر النوع الثالث بقوله تعالى : وَهُوَ أي : وحده الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ وقرأه ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس وقرأه الباقون بالجمع لكونها تارة صبا وتارة دبورا وتارة شمالا وتارة جنوبا وغير ذلك ، ويسن الدعاء عند هبوب الريح ويكره سبها لخبر « الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها ، واستعيذوا بالله من شرها » « 1 » رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن ، وقوله تعالى : نَشْراً قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين أي : ناشرات للسحاب ، وقرأه ابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف ، وقرأه عاصم بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين جمع بشور بمعنى مبشر ، وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وصف به بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي : قدام المطر ، ولما كان الماء مسببا عما تحمله الريح من السحاب أتبعه به بقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا أي : بما لنا من العظمة مِنَ السَّماءِ أي : من السحاب أو الجرم المعهود ماءً ثم أبدل منه بيانا للنعمة به ، فقال تعالى : طَهُوراً أي : طاهرا في نفسه مطهرا لغيره كما قال تعالى في آية أخرى : لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [ الأنفال ، 11 ] ، فهو اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به ، وكالسحور اسم لما يتسحر به والفطور اسم لما

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب حديث 5097 .