الخطيب الشربيني
238
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
تِلْكَ أي : الآيات التي هي من العلوّ والعظمة بمكان آياتُ الْكِتابِ أي : الجامع لجميع أنواع الخير الْحَكِيمِ بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقص شيء من إبرامه ، ولا معارضة شيء من كلامه الدال ذلك على تمام علم منزله وشمول عظمته وقدرته ، والإضافة بمعنى من . وقوله تعالى : هُدىً وَرَحْمَةً بالرفع وهي قراءة حمزة خبر مبتدأ مضمر هي أو هو ، وقرأ الباقون بالنصب على الحال من آيات والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل . وقال تعالى لِلْمُحْسِنِينَ إشارة إلى أنّ رحمة الله قريب من المحسنين فإنه تعالى قال في البقرة : ذلِكَ الْكِتابُ [ البقرة : 2 ] ولم يقل الحكيم وههنا قال : الحكيم ؛ لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكرا من أحواله فقال هُدىً وَرَحْمَةً وقال هناك هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] فقوله تعالى هدى في مقابلة قوله تعالى الكتاب ، وقوله تعالى : ورحمة في مقابلة قوله تعالى : الحكيم ، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة كقوله تعالى فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] أي : ذات رضا . وقوله تعالى هناك : للمتقين وقوله تعالى هنا للمحسنين لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئا آخر قال للمتقين أي : يهدي به من يتقي الشرك والعناد ، وههنا زاد قوله تعالى ورحمة فقال للمحسنين كما قال تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] فناسب زيادة قوله تعالى ورحمة ولأنّ المحسن يتقي وزيادة . ثم وصف المحسنين بقوله تعالى : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي : يجعلونها كأنها قائمة بسبب إتقان جميع ما أمر به فيها وندب إليه ، ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم في كل يوم خمس مرّات إلا معظم له بالحج فعلا أو قوّة وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي : كلها فدخل فيها الصوم ؛ لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه فعلا أو قوّة . ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعا لجميع أنواعه وحاملا على سائر وجوه الإحسان قال تعالى وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي : التي تقدّم أنّ المجرمين عنها غافلون هُمْ يُوقِنُونَ أي : يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئا ينافي الإيمان ، ولا يغفل عنه طرفة عين ، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى كأنه يراه ، فآية البقرة بداية وهذه نهاية . ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد أن زمها بزمامها فقال : أُولئِكَ أي : العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة عَلى هُدىً أي : متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء ، وقال مِنْ رَبِّهِمْ تذكيرا لهم بأنه لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفا من الإعجاب وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي : الظافرون بكل مراد . لما بين سبحانه وتعالى حال من تحلى بهذا الحال فترقى إلى حلية أهل الكمال بين حال أضدادهم بقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ أي : ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام ، فإن قيل : ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث ؟ أجيب : بأنّ معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه كقوله : جبة خزّ وباب ساج ، والمعنى : من يشترى اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث ، والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث :