الخطيب الشربيني

223

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الحرية والعظمة أن تتصرّفوا في الأمر المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه ، وظهر أنّ حالكم في عبيدكم مثل له فيما أشركتموهم به موضح لبطلانه ، فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن تستوي عبيدكم معكم في الملك فكيف ترضونه لخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها فتسوّونها به وهي من أضعف خلقه أفلا تستحيون كَذلِكَ أي : مثل هذا التفصيل العالي نُفَصِّلُ الْآياتِ أي : نبينها ، فإنّ التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي : يتدبرون هذه الدلائل بعقولهم ، والأمر لا يخفى بعد ذلك إلا على من لا عقل له . بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي : أشركوا فإنهم وضعوا الشيء في غير موضعه . فعل الماشي في الظلام أَهْواءَهُمْ وهي ما تميل إليه نفوسهم بِغَيْرِ عِلْمٍ أي : جاهلين لا يكفهم شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه ، ثم بين تعالى أنّ ذلك بإرادته بقوله تعالى : فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي : الذي له الأمر كله أي : لا يقدر أحد على هدايته وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي : مانعين يمنعونهم من عذاب الله لا من الأصنام ولا من غيرها . ولما تحرّرت الأدلة وانتصبت الأعلام أقبل تعالى على خلاصة خلقه إيذانا بأنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره بقوله سبحانه : فَأَقِمْ وَجْهَكَ أي : قصدك كله لِلدِّينِ أي : أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير ، وقال غيره : سدّد عملك ، والوجه ما يتوجه إليه ، وقيل : أقبل بكلك على الدين ، عبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] أي : ذاته بصفاته . وقوله تعالى حَنِيفاً حال من فاعل أقم أو مفعوله أو من الدين ، ومعنى حنيفا أي : مائلا إليه مستقيما عليه ومل عن كل شيء لا يكون في قلبك شيء آخر ، وهذا قريب من معنى قوله تعالى وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام ، 14 ] وقوله تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ أي : خلقته منصوب على الإغراء أو المصدر بما دلّ عليه ما بعدها وهي بتاء مجرورة ، وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء ، والباقون بالتاء ، ثم أكد ذلك بقوله تعالى : الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ قال ابن عباس : خلق الناس عَلَيْها وهو دينه وهو التوحيد . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » « 1 » فقوله على الفطرة على العهد الذي أخذه عليهم بقوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها ، وإن عبد غيره قال الله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] وقال ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ولكن لا عبرة بالإيمان الفطريّ في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان الشرعيّ المأمور به ، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين ، وقيل : الآية مخصوصة بالمؤمنين وهم الذين فطرهم الله تعالى على الإسلام ، روي عن عبد الله بن المبارك قال : معنى الحديث : أن كل مولود يولد على فطرته أي : على خلقته التي جبل عليها في علم الله من السعادة والشقاء ، وكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها ، فمن علامات الشقاوة أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين فيحملانه لشقائه على اعتقاده دينهما ، وقيل : معنى الحديث : أنّ كل مولود يولد في مبدأ الفطرة على الخلقة أي : الجبلة السليمة والطبع المتهيىء لقبول الدين ، فلو ترك عليها لاستمرّ على

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1358 ، ومسلم في القدر حديث 2658 .