الخطيب الشربيني
216
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 25 إلى 32 ] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 26 ) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 29 ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 ) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 ) . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أي : غطوا ما كشفته أنوار العقول وَكَذَّبُوا عنادا بِآياتِنا التي لا أصدق منها ولا أضوأ من أنوارها بما لها من عظمتنا وهو القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي : بالبعث وغيره فَأُولئِكَ أي : البغضاء البعداء فِي الْعَذابِ الكامل لا غيره مُحْضَرُونَ أي : مدخلون لا يغيبون عنه . فَسُبْحانَ اللَّهِ أي : سبحوا الله تعالى بمعنى صلوا حِينَ تُمْسُونَ أي : حين تدخلون في المساء وفيه صلاتان : المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ أي : تدخلون في الصباح وفيه صلاة الصبح . وقوله تعالى : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اعتراض ومعناه : يحمده أهلهما . وقوله تعالى وَعَشِيًّا عطف على حين وفيه صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ أي : تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر ، قال نافع بن الأزرق لابن عباس : هل تجد الصلوات الخمس في مواقيتها في القرآن ؟ فقرأ هاتين الآيتين وقال : جمعت الآيتان الصلوات الخمس ومواقيتها ، وإنما خص هذه الأوقات مع أن أفضل الأعمال أدومها ؛ لأنّ الإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لأنه محتاج إلى ما يعيشه من مأكول ومشروب وغير ذلك ، فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات وأمره بها في أوّل النهار ووسطه وآخره وفي أوّل الليل ووسطه فإذا صلى العبد ركعتي الفجر فكأنما سبح قدر ساعتين ، وكذلك باقي الركعات وهن سبع عشرة مع ركعتي الفجر ، فإذا صلى الإنسان الصلوات الخمس في أوقاتها فكأنما سبح الله سبع عشرة ساعة من الليل والنهار ، بقي عليه سبع ساعات من جميع الليل والنهار وهي مقدار النوم ، والنائم مرفوع عنه القلم فيكون قد صرف جميع أوقاته بالتسبيح في العبادة ، أو بمعنى : نزهوه من السوء بالثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد فيها من نعم الله تعالى الظاهرة . عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر » « 1 » وعنه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الدعوات حديث 6405 ، والترمذي في الدعوات حديث 3466 ، وابن ماجة في الأدب حديث 3812 .