الخطيب الشربيني
16
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بِالْغَمامِ أي : كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها ، وهو غيم أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم . تنبيه : في هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها سببية ، أي : بسبب الغمام يعني سبب طلوعه منها ، ونحوه السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [ المزمل ، 18 ] كأنه الذي تتشقق به السماء ، الثاني : أنها للحال أي : ملتبسة بالغمام ، الثالث : أنها بمعنى عن أي : عن الغمام كقوله تعالى : يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً [ ق ، 44 ] والباء وعن يتعاقبان تقول : رميت عن القوس ، وبالقوس ، وقرأ أبو عمرو والكوفيون بتخفيف الشين ، والباقون بتشديدها ، ثم أشار تعالى إلى جهل من طلب نزول الملائكة دفعة واحدة بقوله تعالى : وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ أي : بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه بأمر من الأمور وغيره من الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد تَنْزِيلًا أي في أيديهم صحائف الأعمال ؛ قال ابن عباس : تتشقق السماء الدنيا ، فينزل أهلها ، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس ، ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها ، وهم أكثر من أهل سماء الدنيا وأهل الأرض جنا وإنسا ، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة ، وأهل كل سماء يدورون على السماء التي قبلها ، ثم تنزل الكروبيون ثم حملة العرش . فإن قيل : ثبت أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة ، فكيف تسع الأرض هؤلاء ؟ أجاب بعض المفسرين : بأن الملائكة تكون في الغمام والغمام يكون مقر الملائكة ، ويجوز أن الله تعالى يوسع الأرض حتى تسع الجميع ، وقرأ ابن كثير بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الزاي ورفع اللام ، ونصب الملائكة ، والباقون بنون واحدة والزاي مشددة ونصب اللام ورفع الملائكة . ثم بين تعالى أن ذلك اليوم لا يقضي فيه غيره بقوله تعالى : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ أي : إذ تشقق السماء بالغمام ، ثم وصف الملك بقوله تعالى : الْحَقُّ أي : الثابت ثباتا لا يمكن زواله ، ثم أخبر عنه بقوله تعالى : لِلرَّحْمنِ أي : العام الرحمة في الدارين ، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل وده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل ، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة ، فإن قيل : مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن ، فما الفائدة في قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ ؟ أجيب : بأن في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة ولا في المعنى ، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه ، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام وَكانَ أي : ذلك اليوم الذي تظهر فيه الملائكة الذي طلب الكفار رؤيتهم له يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً أي : شديد العسر والاستعار . تنبيه : هذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين عسيرا جاء في الحديث « أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا » « 1 » . وقوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ أي : المشرك لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال ، معمول لمحذوف أو معطوف على يوم تشقق ، وأل في الظالم تحتمل العهد والجنس لكن قال ابن عباس : أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما
--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة 401 ، والبغوي في تفسيره 3 / 442 .