الخطيب الشربيني
121
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
تعالى : وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ أي : معرضين ، فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : وَلَّوْا مُدْبِرِينَ أجيب : بأنه تأكيد لحال الأصم لأنه إذا تباعد عن محل الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته ، وقرأ ابن كثير ولا يسمع بالياء التحتية المفتوحة وفتح الميم الصم برفع الميم ، والباقون بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم الصم بالنصب ، وسهل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة الثانية من الدعاء إذا كالياء مع تحقيق الأولى ، والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المدّ . ثم قطع طمعه في إيمانهم بقوله تعالى : وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ أي : في أبصارهم وبصائرهم مزيلا لهم وناقلا ومبعدا عَنْ ضَلالَتِهِمْ أي : عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزلوا عنها أصلا فإنّ هذا لا يقدر عليه إلا الحيّ القيوم ، وقرأ حمزة تهدي بتاء فوقيه وسكون الهاء والعمي بنصب الياء ، والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء بعدها ألف والعمي بكسر الياء . ولما كان هذا ربما أوقف عن دعائهم رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله تعالى : إِنْ أي : ما تُسْمِعُ أي : سماع انتفاع على وجه الكمال في كل حال إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ أي : من علمنا أنه يصدّق بِآياتِنا بأن جعلنا فيه قابلية السمع ، ثم تسبب عنه قوله دليلا على إيمانه فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي : مخلصون في غاية الطواعية لك كما في قوله تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ البقرة : 112 ] أي : جعله سالما خالصا . ثم ذكر تعالى ما يوعدون مما تقدّم استعجالهم له استهزاء بقوله تعالى : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي : مضمون القول وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ، ووقوعه حصوله ، أو أطلق المصدر على المفعول أي : المقول أَخْرَجْنا أي : بما لنا من العظمة لَهُمْ حين مشارفة العذاب والساعة وظهور أشراطها حين لا تنفع التوبة دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ وهي الجساسة جاء في الحديث : « إن طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا بفوتها هارب » « 1 » وروي : « أنّ لها أربع قوائم وزغبا وهو شعر أصفر على ريش الفرخ وريشا وجناحين » « 2 » . وعن ابن جريج في وصفها فقال : رأسها رأس الثور ، وعينها عين الخنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هرّ ، وذنبها ذنب كبش ، وخفها خف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم عليه السّلام ، وروي أنها لا تخرج إلا رأسها ورأسها يبلغ عنان السماء أي : يبلغ السحاب ، وعن أبي هريرة فيها من كل لون وما بين قرنيها فرسخ للرّاكب ، وعن الحسن لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام . وعن علي رضي الله تعالى عنه : أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها ، وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلم سئل من أين تخرج الدابة فقال : « من أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن » « 3 » حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون وقوم : يقفون نظارا ، وقيل تخرج من الصفا .
--> ( 1 ) أخرجه ابن الجوزي في زاد المسير 6 / 191 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 3 ) الحديث لم أجده .