الخطيب الشربيني
116
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
منهم ، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير الريح بالإفراد ، والباقون بالجمع ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو نشرا بضم النون والشين وابن عامر بضم النون وسكون الشين ، وحمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين وعاصم بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين . ولما انكشف بما مضى من الآيات ما كانوا في ضلامه من واهي الشبهات واتضحت الأدلة ، ولم يبق لأحد في شيء من ذلك علة ، كرّر سبحانه وتعالى الإنكار في قوله تعالى أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي : الذي كمل علمه تَعالَى اللَّهُ أي : الفاعل القادر المختار عَمَّا يُشْرِكُونَ به غيره ، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة . الخامس : منها قوله تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 64 إلى 76 ] أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 65 ) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ( 66 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 74 ) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 75 ) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76 ) . أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي : كلهم في الأرحام من نطفة ما علمتم منهم وما لم تعلموا ثُمَّ يُعِيدُهُ أي : بعد الموت لأنّ الإعادة أهون ، فإن قيل : كيف قيل : لهم ثم يعيده ؟ أجيب : بأنهم كانوا مقرين بالابتداء ودلالته على الإعادة ظاهرة قوية لأنّ الإعادة أهون عليه من الابتداء ، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لا عذر لهم في إنكار الإعادة لقيام البراهين عليها . ولما كان الإمطار والإنبات من أدلّ ما يكون على الإعادة قال مشيرا إليهما على وجه عمّ جميع ما مضى . وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ أي : بالمطر والحرّ والبرد وغيرها مما له سبب في التكوين أو التلوين وَالْأَرْضِ أي : بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله تعالى : وعبر عنها بالرزق لأنّ به تمام النعمة أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي : الذي له صفات الجلال والإكرام . ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة ودلائل قاطعة أمر الله تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم إعراضا عنهم بقوله تعالى : قُلْ أي : لهؤلاء المدّعين للعقول هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي : حجتكم على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى أو على إثبات شيء منه لغيره إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي : في أنكم على حق في أنّ مع الله تعالى غيره ، وأضاف تعالى البرهان إليهم تهكما بهم وتنبيها على أنهم أبعدوا في الضلال وأغرقوا في المحال . ثم إنهم سألوه عن وقت قيام الساعة فنزل . قُلْ أي : لهم لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والناس الْغَيْبَ أي : ما غاب عنهم وقوله تعالى : إِلَّا اللَّهُ استثناء