الخطيب الشربيني
107
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
لربه لما آتاه الله تعالى من هذه الخوارق هذا أي : الإتيان المحقق مِنْ فَضْلِ رَبِّي أي : المحسن إليّ لا بعمل أستحق به شيئا فإنه أحسن إليّ بإخراجي من العدم ونظر إليّ بتوفيقي للعمل فكل عمل نعمة يستوجب عليّ بها الشكر ، ولذلك قال لِيَبْلُوَنِي أي : ليختبرني أَ أَشْكُرُ فاعترف بكونه فضلا أَمْ أَكْفُرُ بظني أني أوتيته باستحقاق . تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان فنافع يسهل الهمزة الثانية ، وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه ، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام ، ولم يدخل ورش وابن كثير ، ولورش أيضا إبدالها ألفا ، والباقون بالتحقيق وعدم الإدخال ، ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله وَمَنْ شَكَرَ أي : أوقع الشكر لربه فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ فإن نفعه لها وهو أن يستوجب تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وجلب للنعمة المفقودة وَمَنْ كَفَرَ أي : بالنعمة فَإِنَّ رَبِّي أي : المحسن إليّ بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر غَنِيٌّ عن شكره لا يضرّه تركه شيئا كَرِيمٌ أي : بإدرار الإنعام عليه فلا يقطعه عنه بسبب عدم شكره . ولما حصل العرش عنده . قالَ نَكِّرُوا أي : غيروا لَها عَرْشَها أي : سريرها إلى حالة تنكره إذا رأته ، قال قتادة ومقاتل : هو أن يزاد فيه وينقص ، وروي أنه جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر اختبارا لعقلها ، كما اختبرتنا بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك . وإليه أشار بقوله نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أي : إلى معرفته فيكون ذلك سببا لهدايتها في الدين أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ شأنهم أنهم لا يَهْتَدُونَ بل هم في غاية الغباوة ولا يتجدّد لهم اهتداء ، وقال وهب ومحمد بن كعب : إنما حمل سليمان على ذلك ، أنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي له أسرار الجنّ لأنّ أمها كانت جنية وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون عن تسخير سليمان وذرّيته من بعده ، فأساؤوا الثناء عليها ليزهدوه فيها ، فقالوا : إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجليها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين ، فأراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح . ثم أشار إلى سرعة مجيئها إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله : فَلَمَّا جاءَتْ وكانت قد وضعت عرشها في بيت خلف سبعة أبواب ووكلت به حراسا أشدّاء قِيلَ لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره أَ هكَذا عَرْشُكِ أي : مثل هذا عرشك قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ قال مقاتل : عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها ، وقال عكرمة : كانت حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن تكذب ولم تقل لا خوفا من التكذيب فقالت كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر ، وقيل : اشتبه عليها أمر العرش لأنها خلفته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فقيل لها فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب . وقوله تعالى : وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها فيه وجهان : أحدهما : أنه من كلام بلقيس فالضمير في قبلها راجع للمعجزة والحالة الدال عليها السياق ، والمعنى : وأوتينا العلم بنبوّة سليمان من قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة ، وذلك لما رأت قبل ذلك من أمر الهدهد ورد الهدية والرسل من قبلها من قبل الآية في العرش وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي : منقادين طائعين لأمر سليمان ، والثاني : أنه من كلام سليمان وأتباعه فالضمير في قبلها عائد على بلقيس فكان سليمان وقومه