الخطيب الشربيني

101

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

إِلَيْهِمْ أي : الذين ذكرت أنهم يعبدون الشمس وذلك للاهتمام بأمر الدين ، وقرأ أبو عمرو وشعبة وخلاد بخلاف عنه فألقه بسكون الهاء ، واختلس الكسرة قالون وهشام بخلاف عنه ، والباقون بإشباع الكسرة . ثُمَّ قال له إذا ألقيته إليهم تَوَلَّ أي : تنحّ عَنْهُمْ إلى مكان تسمع فيه كلامهم ولا يصلون معه إليك فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ أي : يردّون من الجواب ، وقال ابن زيد في الآية تقديم وتأخير ، مجازها اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ، ثم توّل عنهم أي : انصرف إليّ ، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى إلى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام . قال قتادة : فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها ، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها ، وقيل نقرها فانتبهت فزعة ، وقال مقاتل : حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة ، والناس ينظرون إليه حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها ، وقال وهب بن منبه وابن زيد : كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع فإذا نظرت إليها سجدت لها ، فجاء الهدهد إلى الكوّة فسدها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم بها ، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر إليها ، فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب وكانت قارئة فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأنّ ملك سليمان كان في خاتمه وعرفت أنّ الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها ، وقرأت الكتاب وتأخر الهدهد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد ألف مقاتل ، وعن ابن عباس قال : كان مع بلقيس مائة ألف ، قيل مع كل قيل مائة ألف ، والقيل : الملك دون الملك الأعظم ، وقال قتادة ومقاتل : كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف ، فلما جاؤوا أخذوا مجالسهم . قالَتْ لهم بلقيس يا أَيُّهَا الْمَلَأُ وهم أشراف الناس وكبراؤهم إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ أي : بإلقاء ملق على وجه غريب كِتابٌ أي : صحيفة مكتوب فيها كلام وخبر جامع ، قال الزمخشريّ : وكانت كتب الأنبياء جملا لا يطنبون ولا يكثرون . ولما حوى هذا الكتاب من الشرف أمرا باهرا لم يعهد مثله وصفته بقولها كَرِيمٌ وقال عطاء والضحاك : سمته كريما لأنه كان مختوما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « كرامة الكتاب ختمه » « 1 » ، « وكان عليه السّلام يكتب إلى العجم فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم فاصطنع له خاتما » « 2 » ، وعن ابن المقنع : من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به ، وقال مقاتل : كريم أي : حسن ، وعن ابن عباس : أي : شريف لشرف صاحبه ، وقيل : سمته كريما لأنه كان مصدرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . ثم بينت ممن الكتاب فقالت : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ ثم بينت المكتوب فيه فقالت وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .

--> ( 1 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 99 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 29295 . ( 2 ) أخرجه البخاري في اللباس حديث 5875 ، ومسلم حديث 2092 .