الخطيب الشربيني

8

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الدنيا وطلب الآخرة ، والأعمال المذمومة مما يكون بالضدّ من ذلك . يَهْدِيهِمْ أي : يرشدهم . رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ أي : بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة ، أو لما يريدونه في الجنة ، أو لإدراك الحقائق ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » « 1 » . وقال مجاهد : المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة ، فيقول : أنا عملك . فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة ، والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة ، فيقول : أنا عملك ، فينطلق به حتى يدخله النار » « 2 » . ومفهوم ترتّب الهداية على الإيمان ، والعمل الصالح قد دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصالح ، لكن دل منطوق قوله جل وعلا : بِإِيمانِهِمْ [ يونس : 9 ] . على استقلال الإيمان بالسببية ، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف ، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم ، وهي أربعة الأولى : قوله تعالى : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي : يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين ، والأنهار تجري من بين أيديهم ، ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم ، ونظيره قوله تعالى : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [ مريم : 24 ] فهي ما كانت قاعدة عليه ، ولكن المعنى : بين يديك ، وكذا قوله : وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف ، 51 ] ، أي : بين يدي فكذا هنا . الثانية قوله تعالى : دَعْواهُمْ فِيها قال بعض المفسرين : ، أي : طلبهم لما يشتهون في الجنة أن يقولوا : سُبْحانَكَ أي : ننزهك من كل سوء ونقيصة . اللَّهُمَّ أي : يا اللّه ، فإذا ما طلبوا بين أيديهم على موائد ، كل مائدة ميل في ميل ، على كل مائدة سبعون ألف صحفة ، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا ، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا اللّه تعالى ، فذلك قوله تعالى : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وأن المراد بقوله سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ اشتغال أهل الجنة بالتسبيح والتحميد والتقديس لله تعالى ، والثناء عليه بما هو أهله ، وفي هذا الذكر سرورهم وابتهاجهم وكمال لذاتهم وهذا أولى ، ويدل عليه ما روي عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخطون . قالوا : فما بال الطعام ؟ قال : جشاء ورشح كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس » « 3 » ، أي : يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقا . الثالثة : قوله تعالى : وَتَحِيَّتُهُمْ فيما بينهم وتحية الملائكة لهم فِيها أي : الجنة سَلامٌ وتأتيهم الملائكة أيضا من عند ربهم بالسلام . قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] . وقال تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] . الرابعة : قوله تعالى : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أي : وآخر دعائهم . أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : أن يقولوا ذلك ، وأن هي المخففة من الثقيلة ، وقد ذكرنا أنّ بعض المفسرين حمل التسبيح

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 403 ، 3 / 449 ، 7 / 323 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 / 372 ، والقرطبي في تفسيره 13 / 362 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 10 / 15 . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره 11 / 88 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2835 ، والدارمي في الرقاق حديث 2727 .