الخطيب الشربيني

14

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أي : جميعا على الدين الحق وهو دين الإسلام . وقيل : على الضلال في فترة الرسل ، واختلف القائلون بالأوّل أنهم متى كانوا كذلك . ؟ فقال ابن عباس ومجاهد : كانوا على دين الإسلام من لدن آدم إلى أن قتل قابيل هابيل . وقال قوم : إلى زمن نوح ، وكانوا عشرة قرون . ثم اختلفوا في عهد نوح فبعث اللّه تعالى إليهم نوحا . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام من زمن نوح بعد الغرق حيث لم يذر اللّه على الأرض من الكافرين ديّارا إلى أن ظهر الكفر فيهم . وقال آخرون : من عهد إبراهيم عليه السّلام إلى زمن عمرو بن لحي ، وهذا القائل قال : المراد من الناس في قوله تعالى : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً العرب خاصة . فَاخْتَلَفُوا بأن ثبت بعض وكفر بعض . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهو تأخير الحكم إلى يوم القيامة ، وقيل : تلك الكلمة هي قوله سبحانه : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » . فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال ، وإمهاله إلى وقت الوجدان لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي : الناس بنزول العذاب في الدنيا دون يوم القيامة فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين بإهلاك المبطل ، وإبقاء المحق ، وكان ذلك فصلا بينهم وَيَقُولُونَ أي : كفار مكة لَوْ لا أي : هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أي : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي : غير ما جاء به كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد فَقُلْ يا محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين إِنَّمَا الْغَيْبُ أي : ما غاب عن العباد أمره لِلَّهِ أي : هو المختص بعلمه ، ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما عليّ التبليغ فَانْتَظِرُوا أي : نزول ما اقترحتموه . وقيل : نزول العذاب إن لم يؤمنوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أي : لما يفعل اللّه تعالى بكم لعنادكم وجحودكم الآيات ، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر ، بديعة في الآيات ، رقية المسلك بين المعجزات مع عجزكم عن معارضته بتبديل أو غيره ، فأيّ عناد أعظم من هذا . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 21 إلى 25 ] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ( 21 ) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 23 ) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 24 ) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ أي : كفار مكة رَحْمَةً أي : صحة وسعة مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ أي : شدّة وبلاء مَسَّتْهُمْ سلط اللّه تعالى القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم ، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد ، وعاش الناس بعد ذلك فلم يتعظوا بذلك ، بل

--> ( 1 ) الحديث أخرجه الحميدي في مسنده 1126 ، وابن أبي عاصم في السنة 1 / 270 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 556 ، 10 / 558 .